Make your own free website on Tripod.com

   الشاهد للدراسات السياسية والاستراتيجية        

   
     

الحرب الآن

اوري افنيري ـ صحفى اسرائيلى

        رويدا رويدا تبزغ من قلب الضباب الكثيف خطة الرئيس بوش المتعلقة بالعراق. يظهر هذا، بداية، وكأنه رد فعل غريزي غاية في البلبلة، الا انه وبالتدريج يتضح ان لهذه الخطة اهدافا واضحة مع انها خفية.

     ليس لها اية صلة بـ"محاربة الارهاب وبشخصية صدام حسين وباسلحة الدمار الشامل التي تطورها العراق على غرار سائر الدول في المنطقة، ابتداء بباكستان وانتهاء باسرائيل ومصر.

     لقد حذر المنتقدون (وانا من جملتهم) من مغبة النتائج السياسية المدمرة المتوقعة. ستتجزأ العراق الى ثلاثة اجزاء (جزء كردي في الشمال، وسني في الوسط وشيعي في الجنوب)، وسيبقى العالم العربي مكشوفا امام التطرف الايراني. ستنهار انظمة الحكم العربية الموالية للغرب، وستصبح اسرائيل محاطة بتطرف اسلامي هجومي، مثلها مثل دولة الصليبيين ابان ظهور صلاح الدين.

     كان يستند هذا التحليل الى الاعتقاد الذي كان صحيحا في عشرات السنين الاخيرة بان الولايات المتحدة ليست مستعدة لابقاء جيش في بلاد بعيدة لمدة طويلة. بما معناه: ان الجيش الامريكي، بعد الانتهاء من احتلال العراق، سيرجع الى دياره، وسيترك العراق لنفسه، الا انه من الجائز ان هذا الاعتقاد لم يعد ساري المفعول الان.

     هناك منطق في خطة الحرب البوشية، فقط في حال كون حكومة الولايات المتحدة مستعدة – ولنقل تواقة – لاحتلال العراق لتبقى فيها سنوات طويلة.

     سيتطلب هذا الاحتلال رصدا كبيرا للموارد المالية والبشرية. فهو سيبعد عن البلاد قوات عسكرية كبيرة الى فترة طويلة. لذلك، تواجه الخطة معارضة كبيرة في اوساط الجنرالات الامريكيين (وبمن فيهم وزير الخارجية، الجنرال كولين باوول). ولكن من وجهة نظر بوش ومستشاريه فان هذا الرصد مربح جدا. فمن شأنه ان يعود بفوائد هائلة، وبضمنها:

     *الهدف العراقي للاقتصاد (والسياسة ايضا) الامريكي هو النفط في بحر قزوين. انه مصدر هائل، اكبر مصدر في العالم، ولم يتم استغلاله بعد. ان السيطرة عليه سوف تفي باحتياجات الولايات المتحدة من الوقود لعشرات السنين. بوش، رجل نفط بارز، لا يأبه بمصادر الطاقة البديلة "التي تحافظ على البيئة"، ويرى في ذلك هدفا عراقيا.

      *على النفط ان يمر، في طريقه الى الاسواق، من البحر المفتوح، وهناك عدة امكانيات – الامكانية الشرقية عن طريق افغانستان وباكستان، والامكانية الغربية عن طريق تركيا. تتاخم العراق جميع هذه الدول، وستؤمن القوات الجوية التي ستحط هناك سيطرة امريكا على المنطقة بأسرها.

     *ستتمكن واشنطن من خلال اقامة قاعدة عسكرية قوية في قلب العالم العربي من انزال سطوتها على جميع انظمة الحكم العربية التي ستتجرأ على الخروج ولو قليلا عن الطريق القويم. سيكون الضغط على السعودية هائلا. لن تكون القواعد العسكرية الامريكية الموجودة الان في السعودية غير نافعة فحسب، ولكن عن طريق التلاعب باسعار النفط ستتمكن امريكا من ايصال المملكة الى الافلاس في أي وقت.

     *سيقضي الوضع الجديد على اوبك نهائيا، وستحدد الولايات المتحدة اسعار النفط وكيفية توزيعه.

     *سيقضي الوضع الجديد على بقايا استقلال الدول العربية. فمنذ الان، هي متعلقة جميعها بامريكا. وسيدمر الوجود الامريكي الكبير في هذه الدول أي تفكير في قوة واتحاد عربيين.

     *وحتى الجارة ايران سوف تفقد شهيتها في معارضة "ابليس" الامريكي، فهي ستكون واقعة تحت ضغط القواعد الامريكية في العراق وافغانستان، وكأنها بين فكي الاسد.

     *إن السيطرة الكاملة التي ستتمتع بها أمريكا على جميع كنوز النفط، من كازاخستان في الشمال وحتى السعودية في الجنوب، ستقضي على حلم أوروبا في سباقها الاقتصادي والسياسي مع امريكا. فمن يسيطر على النفط، يسيطر على الاقتصاد أيضا. إن رفعا طفيفا لاسعار النفط سيقذف بملايين العمال الى الشوارع في اوروبا وشرق اسيا.

      كيف سيتصرف الاحتلال؟ عندما يفكر الأمريكيون باحتلال بلاد بعيدة، فانهم يرتكزون على تجربتهم السابقة في اليابان، فبعد احتلال الأخيرة حكمها جنرال امريكي يدعى داغلاس ماك-ارثور، وكان على رأس جيش احتلال زادت شعبيته فخضع له اليابانيون خانعين، لان هذا ما أمرهم به الميكادو (القيصر الياباني) المحبوب.

      انهم يحلمون الان في واشنطن بتنصيب ميكادو عراقي من أبناء السلالة الهاشمية. فهذه السلالة قد سيطرت في العراق حتى عام 1958، حين قوضت الثورة العسكرية أركانه وقتل الملك الأخير. لم لا نعيد الى العرش احدا من افراد العائلة، احد اقرباء ملك الاردن، أو لم لا نوحد العراق والاردن تحت عرش واحد؟

     انه مخطط ضخم يلف ارجاء العالم ولكنه مع ذلك بسيط ومنطقي. متى سمعت عن مخطط كهذا؟ آه صحيح، يبدو لي هذا الاسلوب معروفا جدا. في اوائل الثمانينات، قبل اجتياح لبنان، سمعت اريئيل شارون يتفوه بعدة مخططات كهذه. فقد كان رأسه مليئا بافكار وهاجة لاعادة ترتيب الشرق الاوسط. سيطرة على "منطقة امنية اسرائيلية من باكستان وحتى اواسط افريقيا"، الاطاحة بالانظمة واقامة انظمة بديلة مكانها، ازاحة شعب بأسره (الفلسطينيين) وغير ذلك.

      ماذا افعل؟ فالرياح التي تنشب في واشنطن تذكرني بشارون. ليس لدي أي دلائل على ان رجال بوش قد تلقوا الاستشارة من شارون، مع ان جميعهم قد سُحر به. الا ان الاسلوب هو نفس الاسلوب – خليط من الابداع، التكبر، الخنزوانية (جنون العظمة)، الرجعية والسطحية. خليط مدمر.

     لقد تهاوت مخططات شارون، كما هو معروف، الواحد تلو الاخر. فالانطلاقة الهائلة والمنطق الذاتي لم يفلحا – فشارون ببساطة لم يفهم التيارات الحقيقية التي نشطت تاريخيا. يساورني القلق بان زمرة بوش، تشيني، رامسفلد، رايس، فولبوفيتش، برل وغيرهم من الشارونيين الصغار تعاني من نفس العارض.

     العراق ليست اليابان، والعراقيون لن يخضعوا خانعين لميكادو يجلبه الامريكيون معهم. كما يخضعون لدكتاتور قومي محلي. ان التطرف الديني العربي ليس حصانا يمكن ترويضه ببساطة. مئات الملايين من البشر غاضبون في جميع انحاء العالم العربي والاسلامي وهم يشكلون خطرا كبيرا، حتى على دولة عظمى ذات قوة عسكرية هائلة.

     اذا كان شارون يعتقد بانه سيكون اكبر الرابحين من هذه الخطوة الامريكية – فيمكن للتاريخ ان يثبت بانه ألحق بالدولة كارثة تاريخية. ربما سينجح في استغلال البلبلة لكي يطرد الفلسطينيين من البلاد، غير انه من الممكن، خلال بضع سنوات، ان تجد اسرائيل نفسها في خضم شرق اوسط جديد – ليس الشرق الاوسط الذي يثرثر بيرس عنه، بل منطقة مفعمة بالكراهية، تحيك خيوط الانتقام، يتغلغل فيه التطرف الديني والقومي. ففي آخر الامر سيرجع الامريكيون الى بيوتهم، وسنبقى نحن هنا.

     الا ان اشخاصا مثل بوش وشارون لا يسيرون حسب وتيرة الطبول التاريخية. انقم يصغون لطبال واحد فقط. 

الصفحة الرئيسية