Make your own free website on Tripod.com

   الشاهد للدراسات السياسية والاستراتيجية        

   
     

عوالم الوهم

"سناً يا حبيبتي… أغلقي عينيك وفكري في انجلترا".

[عبارة من مسرحية تحت هذا الأسم عرضت في لندن أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات].

 

عندما نزل الستار على حرب أكتوبر وبدأت الخطوات الأولى لتفريغ التوتر في المنطقة بواسطة اتفاقيات فك الاشتباك ـ كانت القواعد المستقرة في العالم قد اهتزت بطريقة عميقة، وكان الذي أحدث هذه الهزة هو أزمة الطاقة التي برزت على حافة المعركة، ثم تحولت بسرعة لتصبح هي كل المعركة. وكان "هنري كيسنجر" مرة أخرى هو صاحب أدق وصف للتحول الجديد. ففي يوم 14 نوفمبر 1974 وقف "كيسنجر" في جامعة شيكاجو يرسم ملامح صورة العالم المتغيرة، فقال:(1)

"قبل ربع قرن من الزمان واجه العالم الغربي أزمة تأريخية، وذلك عندما انهار النظام القديم نتيجة للحرب العالمية الثانية، وأصبح عالم ما بعد الحرب مهددا بالضائقة الاقتصادية والقلاقل السياسية، ولكن دول الغرب واجهت الأزمة بأن بنت لنفسها نظاما للأمن والتعاون يضمن سلامتها ورخاءها. ومنذ ذلك الحين عاش المجتمع الغربي في نوع من الاستقرار الخلاق. وفي هذه اللحظة ـ 1974 ـ وبعد خمس وعشرين سنة، فإننا نواجه تحديا في نفس الحجم، وهو يحتاج منا إلى رؤية، وإلى شجاعة، وإلى إرادة 0"

ثم أضاف:

"إنني أتكلم بالطبع عن أزمة الطاقة، وهي أزمة شديدة الخطورة، ولا بد أن نجد لها حلا. إن الواقع الذي يواجهنا كئيب. فقبل سنة 1973 كان الطلب على البترول يتجاوز المعروض منه، وكانت تلك مشكلة. ولكن المشكلة تحولت إلى أزمة خانقة لأننا فوجئنا، ومن غير تحذير مسبق ولأول مرة بحظر على البترول يهدف إلى تحقيق أغراض سياسية. ثم تلت ذلك زيادة في أسعار البترول رفعت تكاليف هذه السلعة الاستراتيجية التي لا غنى للعالم عنها بنسبة 400% وكان تأثير ذلك فادحا على كل مجتمعات الغرب وعلى المستوى العالمي. والتحدى الذي يواجهنا هو أن نتصدى لهذا الوضع الطارئ ونعيده إلى نطاق السيطرة. ولا بد أن ندرك أننا أمام ضرورة الاختيار وحتمية القرار".

ولم يكن "كيسنجر" في هذا الحديث يتحدث عن اختيار أو قرار غربي، وإنما كان يتحدث عن اختيار وقرار أمريكي بالدرجة الأولى.

كان في مؤتمر باريس في فبراير 1974 قد حاول الحصول على تأييد أوروبا الغربية واليابان، وطرح هناك برنامجا من سبع نقاط لمواجهة أزمة الطاقة، ولكن حلفاء أمريكا في الغرب، وبالتحديد أوروبا واليابان، كان رأيهم مختلفا عن رأيه فقد أحسوا أن سياساته مؤدية لا محالة إلى مواجهة بين منتجى البترول ومستهلكيه. وكان ذلك رأى الرئيس الفرنسي في ذلك الوقت "جيسكار ديستان" الذي قال لـ "هنري كيسنجر" إن "ما تحتاجه الدول المستهلكة للبترول هو نوع من التفاوض والتنسيق مع المنتجين وليست المواجهة".(2)

وقد صاغ "جيسكار ديستان" فكرته في اقتراح عملي تقدم به يقضي بتوجيه الدعوة إلى "مؤتمر دولى للتعاون الاقتصادي، يعقد في باريس، ويضم منتجى البترول ومستهلكيه. وكان رد "هنري كيسنجر" على ذلك الاقتراح أنه سابق لأوانه، وأن مثل هذا المؤتمر يمكن أن يكون لاحقا، وليس سابقا لعملية تصد ناجح للعمل الذي أقدمت عليه الدول العربية حين "أقحمت البترول" ـ على حد تعبيره ـ في صراعها السياسي مع إسرائيل.

وهكذا افترقت الطرق ولو مؤقتا بين حلفاء الغرب، وراحت أوروبا تفكر في حوار عربي ـ أوروبي يكون من شأنه الوصول إلى لغة للحوار والتفاهم بينها وبين العرب.(3) وأما "هنري كيسنجر" فقد اختار طريقا آخر أصبح اختيار الولايات المتحدة وقرارها.

كان برنامج النقاط السبع الذي طرحه "كيسنجر" في باريس يشير إلى رؤوس موضوعات طرحها بالترتيب التالي:

ترشيد استهلاك الطاقة ـ إيجاد مصادر للطاقة بديلة للبترول ـ استثمار 12,5 بليون دولار للبحث والتنقيب على هذه المصادر الجديدة ـ إيجاد تنظيم للمشاركة في توزيع الطاقة أثناء حالات الطوارئ ـ إنشاء نظام للتعاون المالي في مواجهة ارتفاع الأسعار ـ إيجاد وسيلة لتخفيف عبء تكاليف الطاقة على الدول الفقيرة ـ إيجاد صيغة للعلاقات بين منتجى البترول ومستهلكي.

كانت هذه هي النقاط السبع التي طرحها "كيسنجر" علنا في باريس. وبطبيعة العلنية فيها، فقد كان لا بد لصياغتها أن تكون بريئة وخيرة، وأما عندما قرر "كيسنجر" بعد مؤتمر باريس أن التعاون مع أوروبا واليابان لا فائدة منه في الوقت الحالي على الأقل لأن الآخرين "فقدوا أعصابهم أمام العرب" كما كان يقول ـ فقد وجد مناسبا للولايات المتحدة أن تتصرف وحدها، وعلى مسئوليتها.

إن مراجعة تطورات الحوادث والتدقيق في دالاتها ابتداء من ربيع 1973 يظهر أن الولايات المتحدة الأمريكية، في مواجهة تحد وصفه "كيسنجر" على أنه مساو لتحدى عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية ـ اختارت وقررت سياسة مختلفة تشتمل هي الأخرى على سبع نقاط يمكن حصرها على النحو التالي: (4)

1 ـ الإمساك بزمام عملية البحث عن حل لأزمة الشرق الأوسط، وترتيب ذلك على سياسة الخطوة خطوة، بحيث تتوافق الخطى مع استعادة السيطرة على موارد الطاقة.

2 ـ اعتبار إسرائيل الرادع الأساسي في الشرق الأوسط، ورفع درجة العلاقات معها لكي تصبح علاقة استراتيجية، فإسرائيل هي العنصر الذي أدى بالعرب في النهاية إلى قبول حل أمريكي للأزمة، واستمرار إحساس العرب بتهديدها هو الضمان بهرولتهم دائما إلى أبواب البيت الأبيض.

3 ـ القبول بارتفاع أسعار البترول، والعمل على امتصاص الفوائض المتولدة من زيادة الاسعار وتدويرها بواسطة البنوك الأمريكية الكبرى، وتشجيع الأموال الباقية في يد العرب على أنماط في الاستهلاك تهدر الثروة ولا تحفظها.

4 ـ كسر تحالف أكتوبر الذي جمع على غير انتظار بين الجيوش العربية القادرة على القتال، وبين منابع البترول العربي المعبأة بالذهب الأسود.

5 ـ استخدام جزء من فوائض الاموال العربية ليكون هو نفسه الاستثمار الذي يوجه لتوفير بدائل للطاقة منافسة للبترول العربي.

6 ـ العمل على خلق حساسيات بين العرب وبين العالم الثالث وخصوصا أفريقيا، فقد نجح العرب خلال أزمة أكتوبر في إقناع معظم الدول الإفريقية بقطع علاقاتها بإسرائيل.

7 ـ تشجيع الرئيس "السادات" على خطته في إخراج السوفيت تماما من الشرق الأوسط، سواء كنفوذ سياسي، أو كمصدر للسلاح.

[وكان من الملاحظ أن المرة الوحيدة التي عمل فيها الخط الساخن بين البيت الأبيض، والقصر الجمهوري في القاهرة (قصر عابدين أيامها رسميا) ـ هي المرة التي جرت سنة 1975 حيث أعلن الرئيس السادات في مجلس الشعب المصري قراره بإسقاط معاهدة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفيتي. فقد دقت أجراس هذا الخط الساخن بعد طول سكون تنبه لوصول رسالة من الرئيس "جيرالد فورد، يقول فيها للرئيس السادات" "إنني أبعث إليك بخالص التهنتة على قرارك الحكيم والشجاع اليوم، ولم أشأ أن أجعل هذه التهنئة علنية خشية إحراجك. وإذا كان رأيك أن مثل هذه التهنئة قد تكون مفيدة لك على وجه من الوجوده، فإنني على استعدد لإعلان هذه التهنئة فورا في مؤتمر صحفي في البيت الأبيض".(5)]

وكان العالم العربي غافلا تماما عن متابعة ما يجرى في خفاء اختيارات الآخرين وقراراتهم، فقد انشغل بالكامل بالثروة التي هبطت عليه من السماء في حقبة من الأوهام استغرقته بالكامل من 1974 إلى 1980.

كان الثراء من نوع فادح مفاجئ لم يصل إليه من قبل حلم ولا خيال:

سنة 1970 كان دخل الإمارات العربية المتحدة من البترول 230 مليون دولار، وفي سنة 1980 كان قد وصل إلى 19 بليون دولار.

وسنة 1970 كان دخل قطر من البترول 120 مليون دولار، وفي سنة 1980 كان قد وصل إلى 5 بلايين و 300000 دولار.

وسنة 1970 كان دخل الجزائر من البترول 272 مليون دولار، وفي سنة 1980 كان قد وصل إلى 10,5 بليون دولار.

وسنة 1970 كان دخل الكويت من البترول 221 مليون دولار، وفي سنة 1980 كان قد وصل إلى 22 بليون دولار.

وسنة 1970 كان دخل العراق من البترول بليونا و 230 مليون دولار، وفي سنة 1980 كان قد وصل إلى 25 بليون دولار.

وسنة 1970 كان دخل السعودية من البترول 1,2 بليون دولار، وفي سنة 1980 كان قد وصل إلى 102 بليون دولار.

وكان معنى ذلك أن العالم العربي اقترب من سنة 1980 وهو يملك دخلا من البترول يزيد على 200 بليون دولار. ولم يكن هذا ثراء فادحا بالمقارنة إلى دنيا الأغنياء بين الدول، فهو أقل من الدخل السنوي لبلد أوروبي متوسط مثل أسبانيا. وإنما كان العنصر الفادح في الثراء العربي يتمثل في اعتبارين:

أولهما: اعتبار المفاجأة على غير انتظار.

والثاني: اعتبار أن هذا الثراء كله جاء مالا سائلا يستطيع أصحابه أن ينفقوه على الفور.

وكانت دول الخليج تلف حول نفسها من دوار مفاجآت دهمتها بالحظ على غير انتظار.

لقد حدث الانتقال من الشيخ والقبيلة، إلى المقيم البريطاني والشركة، إلى برميل البترول ورصيد البنك، إلى الدولة والثروة ـ كله في ظرف حقبة واحدة من الزمن لم تترك لأصحابها فرصة يهضمون فيها ما نزل عليهم سيلا من السماء، أو تفجر تحتهم عيونا من الأرض، ثم يعطون الغنى فرصة ينتقل بها خطوة إلى درجة من التحضر تمنح المال شيئا من القيمة والاحترام يتعدى مجرد الحسابات والأرقام!

ولم تكن المجتمعات العربية جاهزة للتعامل مع هذا النوع من المال الذي حل فجأة. فبريطانيا تركت امتياز السعودية لأن الملك "عبد العزيز" كان يلح في طلب مائة ألف جنية استرليني، ولو بصفة قرض سنة 1937. وشيخ الكويت اعتبر نفسه سعيدا لأنه حصل من الشركات البريطانية والأمريكية على 37 ألف جنية استرليني دفعة مقدمة. والشيخ "شخبوط" حاكم أبو ظبي (قبل الشيخ "زايد" مباشرة) لم يعرف كيف يتصرف في أول مليون جنيه استرليني وصل إلى يده سنة 1966، ولقد فضل الشيخ "شخبوط" أن يحتفظ بالمبلغ أوراقا نقدية في بيته، ثم اكتشف أن الفئران تعطى نفسها حرية القرض فيها. وحاول مدير فرع البنك البريطاني للشرق الأوسط في أبو ظبي إقناع الحاكم بأن من الأفضل له إيداع أمواله في البنك، لكن الشيخ لم يكن مطمئنا إلى كل "اختراع" البنوك، وبعد جهد جهيد أبدى الشيخ "شخبوط" اقتناعه، فذهب بنفسه في الصباح، وأودع ما لديه في البنك، ولكنه حين علم أن البنك سيغلق أبوابه بعد الظهر سارع إلى البنك مرة أخرى وسحب وديعته قبل موعد الإغلاق

ولقد انتهى أمر الشيخ "شخبوط" بعزله. فقد كان رأى البريطانيين، وهم وقتها أصحاب الكلمة العليا في الخليج، أن المال يجئ لكي يتحرك، وليس لكي يحبس في بيوت الحكام أو قصورهم. وبالفعل فقد جاءت أجيال راحت تصرف وتحول الصرف إلى هدف في حد ذاته عندما فاضت الثروة على غير انتظار وبغير حساب.

إن معظم العرب لم يتنبهوا في ذلك الوقت إلى ما تدبره لهم الاختيارات والقرارات السياسية للدول الغالبة، وفي نفس الوقت فإنهم لم يتنبهوا إلى ما تدبره نفس الاختيارات والقرارات لثرواتهم المفاجئة. فقد راحت أسواق بيع السلاح تعرض نفسها عليهم، وكان السلاح مغريا بالأمن، وأقبلوا على شرائه ناسين أن مخازن السلاح مهما حوت من منجزات التكنولوجيا لا تستطيع توفير الأمن.

وكانت مغاني أوروبا تعرض نفسها عليهم بكل ما فيها من مظاهر الرفاهية والغواية، وأغرقوا أنفسهم في سهرة طويلة تأخر فيها طلوع الفجر سنوات بأكملها.

وحتى عندما التفت بعضهم للثقافة والفن، فإن التفاتتهم كانت بهدف الاقتناء والاستثمار، على عكس ما حدث في عصر النهضة في أوروبا حين فاضت أرباح التجارة على المدن التجارية مثل فلورنسا، وفنيسيا، وجنوا. هناك، كما حدث مثلا في عصر أسرة "المديتشى"، كان المال يستخدم لشراء الجمال. وأما في عصر البترول العربي، فإن الجمال كان يشتري لقيمته كـ "مال"، أي أنه الاقتناء بقصد الاستثمار بالدرجة الأولى!

كانت رعاية ثروة "المديتشى" للجمال هي التي أعطت الفرصة لعباقرة من أمثال "دوناتللو" و" بوتيشيلو" و"مايكل أنجلوا" وغيرهم.

وأما في عصر النفط، فإن جمال الفن كان في حساب كثيرين وعاءً حافظاً للاستثمار.

وهكذا أقبل كثيرون من العرب على شراء مئات اللوحات الفنية لمشاهير فنانى الغرب، واشتروا آلافا من قطع السجاد والنسيج الأصلية، وأعداداً لا تحصى من مشغولات الذهب والفضة والخزف والصيني باعتبار قيمتها المادية ومضاربين على ارتفاع أسعارها باستمرار.

وبالطبع كانت هناك استثناءات، ولكن الإجمالي العام لم يكن حضاريا. ولعل الملك "فيصل" كان واحدا من الذين تابعوا نمط الاستهلاك العربي الجديد مبكرا وأزعجه ما راى، وعلق عليه بقوله:

"إن أجدادنا كانوا يركبون الجمال، وآباءنا كانوا يركبون السيارات، ونحن تعلمنا ركوب الطائرات. ولكنه إذا مضى الحال على ما هو عليه فإني أخشى أن أحفادنا سوف يعودون إلى ركوب الجمال مرة ثانية"!(6)

ولم يكن أصحاب البترول وحدهم الذين يصرفون، وإنما أصبحت بلادهم ـ فجأة أيضا ـ ملجاً لكل الباحثين عن فرصة أو الباحثين عن ثروة. وتوجهت جيوش من هؤلاء، كباراً وصغاراً، إلى مواقع البترول، وتراكمت ثروات، وعرف الاقتصاد العربي لأول مرة ظاهرة تحويلات العاملين في الخارج إلى أوطانهم، ووصلت بالنسبة لبعض البلدان بحيث أصبحت من أهم مواردها. وعلى سبيل المثال فإنه بالنسبة لمصر مثلا كانت تحويلات المصريين العاملين في العالم العربي تزيد كثيرا على دخل قناة السويس والبترول والسياحة مجتمعة. ويقدر بعض الخبراء أن حجم هذه التحويلات وصل إلى ما بين 8 و 10 بلايين دولار سنة 1980.(7)

ولم تكن هذه التحويلات خيرا كلها، ذلك أن بعض الباحثين عن فرصة في بلدان البترول تركوا عائلاتهم دون راع يدير شئونها مما عرض أجيالها الجديدة لنوع من مخاطر الانفلات في بعض الاحيان. كما أن العائدين بعد أن تحققت لهم الفرصة حملوا معهم إلى أوطانهم ألوانا من الاستهلاك وطرق المعيشة أثرت كثيرا على مجمل القيم السائدة قبل عصر البترول وأمواله.

والنتيجة أن البترول والقيم الوافدة أحدثا نوعا من اختلال القيم والتماسك الاجتماعي في المواقع المؤثرة في حركة العالم العربي تقليديا مثل القاهرة ودمشق وبيروت وغيرها.

ولم يكن الصرف وحده هو الذي يستنزف الأموال، وإنما زاد عليه الرهن أيضا. وهذه أول مرة في التاريخ يحدث فيها أن يرهن صاحب المال (السائل) ماله. ولكن "ويليام سيمون" وزير الخزانة الأمريكي (مع الرئيسين "نيكسون" و"فورد") استطاع إقناع المملكة العربية السعودية بأن تشتري أذونات خزانة أمريكية لا تتداول في الأسواق مثل غيرها من السندات، ولكن تكون مربوطة بآجال تمتد إلى عشرين وخمس وعشرين سنة، بحيث إذا احتاجت المملكة من أموالها شيئا كان عليها أن تتفاوض مع الخزانة الأمريكية لتفك القيود إذا رضيت ولقد كان التصور الذي طرحه "ويليام سيمون" ليجعل فكرته مقبول هو أن منتجى البترول الذين يتقاضون عوائدهم بالدولار لهم مصلحة في الحفاظ على قيمته، وبما أن فوائضهم كبيرة فإنها إذا تركت حرة في السوق تحولت إلى صخرة متحركة على سفح جبل يمكن أن تهوى على رؤوس الجميع بما فيهم أصحابها. وفي وقت من الأوقات سنة 1981 وصلت قيمة الاموال العربية المرهونة بهذه الطريقة إلى ما يزيد على مائة بليون دولار.

ومع زيادة الأموال، سواء كانت طليقة أو مقيدة، فإن الأثرياء الجدد غرقوا في الأوهام، والمال عادة هو المطر الذي يملأ بحار الوهم بما فيها.

ولقد زاد "وهم النفوذ" حينما بدأ الأثرياء الجدد يكتشفون أن الملوك والرؤساء في أوروبا واقفون في انتظارهم، وأن رؤساء الوزارات يظهرون السعادة باستقبالهم، وأن الوزراء ورؤساء مجالس إدارات الشركات الدولية العملاقة بنحنون لهم تحية وإجلالا، ويتسابقون إلى كسب ودهم ورضاهم، وتحقيق رغباتهم قبل أن تنطق بها شفاههم. وكان أدق ما يصور هذه الفترة مسرحية ظهرت في لندن في أواخر السبعينات واستمر عرضها بلا انقطاع قرابة عشر سنوات، وكان اسمها "اغلقى عينيك وفكرى في انجلترا".

كانت المسرحية من ثلاثة فصول تدور كلها في صالون بيت رئيس مجلس إدارة إحدى شركات البترول الكبرى. ويبدأ الفصل الأول من المسرحية والبيت في انتظار شيخ من شيوخ البترول قادم إلى العشاء. ويظهر اللورد المضيف في المشهد الأول من المسرحية يتفقد الصالون مع زوجته، ويتأكد من أن كل قطع الأثاث الجميل في مكانها، وكذلك اللوحات ثم الزهور، ثم يراجع قائمة الشراب والطعام، ويعطي بنفسه آخر تعليماته لرئيس الخدم، ويضيف إلى ذلك معلومات من تقرير اطلع عليه عن مزاج الشيخ وعاداته. ثم يتذكر رئيس مجلس الإدارة شيئاً ويبدو تردده وهو يصارح زوجته به. ثم يغالب تردده ويقول لزوجته "إن الشيخ عاشق طول الوقت، وفي الحفل الذي يوشك أن يبدأ جمال كثير، وربما يكون مناسبا أن تكون الليدي المضيفة يقظى لنظرات الشيخ، ولا بأس إذا أعجبته واحدة من الضيوف أن تتولى تقديمها له و "أن تترك له الفرصة"."

وينتهي الفصل الأول بدخول الشيخ إلى الحفل. ثم يبدأ الفصل الثاني ويدور كله حول تصرفات الشيخ في الصالون البريطاني العريق، فهو يقفز من هنا إلى هناك، ويربت هنا على خد، ويمسح هناك على شعر، ويترك لنظراته وأصابعه حرية زائدة عن الحد والكؤوس تدور والضحكات ترن والعطر فواح.

ويبدأ الفصل الثالث والحفل ما زال مستمراً لا يهدأ صخبه وكذلك الشيخ. ثم تظهر "الليدي" مضيفة الحفل، وهي تحاول أن تلفت نظر زوجها إلى أنها تريد أن تتحدث إليه، وهو مشغول عنها بالتأكد من أن إيقاع الحفل لم يفقد حيويته رغم طول السهر. وأخيرا تفلح الزوجة في اللحاق بزوجها في ركن من الصالون لتقول له بحيرة:

ـ "جون… هناك مشكلة"!

ويرد عليها بسرعة:

ـ "لا أريد مشاكل هذه الليلة".

وتقاطعه:

ـ "انتظر حتى تسمعنى".

ويقول بنفاد صبر:

ـ "إنني أسمعك"!

وتقول له وحيرتها تزداد:

ـ "هل تعرف من أعجبته؟ من يريد؟ يريدني أنا"!

ويكون رده التلقائي:

ـ "مذا؟ أنت؟ هل فقد صوابه؟"

ثم يسكت، وتنتقل إلى ملامحه تعبيرات الحيرة. ثم يقول وكلماته تتعثر على شفتيه:

ـ "حسنا يا حبيبتي. اغلقي عينيك وفكري في انجلترا".

وينزل الستار!

وليس هناك شك في أن هذه المسرحية وغيرها كانت نوعا شائعاً من القوالب المصبوبة المصنوعة لتصوير الثرى العربي على نحو قبيح، وبنوع من التعميم لا تمييز فيه ولا تدقيق. ومع ذلك فليس هناك شك في نفس الوقت أن مشاهد المسرحية كانت تمثل، ولو حتى عن طريق "الكاريكاتير" مناخ سنوات معينة بين منتصف السبعينات، ومنتصف الثمانينات.

ولقد زاد على وهم النفوذ وهم الأبهة، وكانت الحقيقة الأصلية قد وجدت لنفسها عشرات الأقنعة: كانت البداية شركة بترول، وتحالفت شركة البترول مع قبيلة، وأصبحت القبيلة دولة، ثم اكتسبت مواقع امتيازات البترول حصانة الحدود الدولية. ومهما يكن فإن حقائق القوة في النصف الثاني من القرن العشرين تكلفت بأن تحول "وهم الدولة" إلى "واقع الدولة". فهذه الخطوط التي رسمتها أقلام ضباط حكومة الهند في القرن التاسع عشر على خرائط الخليج وصحاريها الشاسعة من الربع الخالي إلى حفر الباطن، أصبحت أمرا واقعا له كيانه وله دوره، وحتى إذا لم يكن قادرا على تحقيق أول مطالب الدولة وهو حماية نفسها بنفسها بالمنعة في موقعها أو بالسياسة مع جيرانها ـ فإن هذا الأمر الواقع كان يمثل ترتيبا عالميا لا يستطيع طرف محلى أن يقترب منه إلاّ إذا كان على استعداد للصدام مع مصالح هائلة وغالبة. وفي كل الأحوال فإن هذه الكيانات أصبحت أعضاء في الجامعة العربية وفي الأمم المتحدة، وأصبحت سيادة كل منها محل أعتراف يستحيل تحديه، ونتجت عن ذلك شرعية لا مجال للشك في وجودها.

والحاصل أن الكويت على وجه التحديد أعطت نفسها في تلك الفترة ما هو أكثر من شرعية الأمر الواقع، فبحكم نشأتها كمدينة تجارية ظهرت فيها طبقة متوسطة عريضة ومستنيرة. ولم يكن وضع أسرة "الصباح" في البداية وضع حاكم قبلي أخذ ما أخذ بحد السيف، وإنما كان أقرب إلى الرئاسة المختارة برضا الناس لرعاية مصالحهم المشتركة، ثم ساعد على تأكيد هذا الحال أن الكويت أعطت نفسها جامعة كبيرة، ومجلسا نيابيا نشيطا، وصحافة متنوعة الاتجاهات. واتسق هذا كله مع مؤسسة تقليدية عاشت دواما في الكويت، وهي "الديوانيات" التي يلتقي فيها الجميع كل ليلة ويتناقشون فيما يعن لهم من أمور لا خوف من سيف أو سوط! وربما كانت مشكلة الكويت في مرحلة لاحقة أن ما حولها طغى عليها، وجار في بعض الأوقات على خوصيتها.

كانت الكويت مدينة تجارية قابلة للازدهار مثلما ازدهرت المدن التجارية في ايطاليا أثناء عصر النهضة، كفلورنسا مثلاً. ومن سوء الحظ أن الكويت لم تجد مثيلا لـ "لورنسو العظيم" يحمي دورها ويعززه.

والحقيقة أن الأوهام زادت في منطقة الخليج، وأدى ذلك إلى حساسيات لا مجال لإنكارها بين القبائل العربية والمدن العربية. فقد راحت أطراف العالم العربي تعيش في غنى لم يسبق له مثيل، بينما المراكز الحضارية الكبرى في نفس هذا العالم العربي تئن تحت وطأة الحاجة. ولم يكن مثل هذا الأمر قابلا للاستمرار دون مشاكل بين شعوب تنتمي إلى أمة واحدة.

وبالقطع فإنه لا بد من القول بأن الغنى ليس ذنبا اقترفه أصحابه لمجرد أنهم ولدوا ونشأوا في بقعة معينة من الأرض تفجرت بحورا من البترول، ولكنه في المقابل كان لا بد لضرورات التاريخ أن تتوازن مع أحكام الجغرافيا خصوصا في إطار الحقيقة التاريخية لأمة واحدة.

ولم يكن هناك مجال لحديث عن اقتسام الثروة، فمثل هذه المقولة تؤدي إلى محظور تحويل الكل إلى فقراء إذا جاز أن توزع عوائد البترول بنسبة السكان ـ لكن نوعا من شركة التنمية كان ضروريا للكل حتى بمنطق حفظ الثروة من أن تتآكل بالبذخ أو بالتضخم، أو بتخفيض عملات الغرب مرة بعد مرة، وكل مرة منها تخصم من الأرصدة العربية ربع قيمتها، وثلثها في بعض المرات.

ولم يكن كافيا أن تدفع دول البترول بعض الدعم لدول المواجهة مع إسرائيل، ولم يكن كافيا أيضا أن تدفع "دول اليسر" كما أسماها البعض ـ شيئا من المعونة في السر لـ "دول العسر" كما أسماها البعض أيضا ـ لتخفيف ضائقة خانقة، أو سد عجز فغر فاه.

كان الأمر يحتاج إلى خيال أوسع، فقد كان من الصعب أن يكون متوسط الدخل في الإمارات العربية المتحدة 21000 دولار للفرد في السنة، بينما متوسطه في مصر 500 دولار للفرد في السنة!ـ وكانت مصر أحسن حالا من بلاد عربية أخرى كثيرة.

ولقد كان مثيرا للأسى أن "حلم التنمية المشتركة" لم يتحقق في حين زاد على الصورة وهم آخر هو "وهم الامن المنفرد".

كانت قصة "وهم الأمن" قصة أخرى حافلة بالمفارقات.

إن مجمل الدخل الذي حصلت عليه دول البترول ـ عبر ثلاث حقب ـ سواء من بترولها، أو من أرباح فوائضه ـ يتراوح ما بين 2,5 إل 3 تريليون دولار. وقد صرف منه قرابة النصف على مقتضيات الأمن من أسلحة القتال البري والجوي والبحري، ونظم الدفاع الجوي المتطورة، والصواريخ والانشاءات اللازمة. ومعنى ذلك أن تريليون دولار وأكثر أنفقت كلها على الإعداد العسكري لمعركة لن تجيء، ذلك لأن ترتيبات المصالح الدولية ترسم خطوطها الحمراء أمام كافة الأطراف، وإذا غامر طرف باجتياز هذه الخطوط الحمراء فإن العدو الذي سيلقاه عندئذ لن يكون كيان الشركة القبيلة ـ الدولة ـ وإنما عدو سوف يكون هو القوة الحقيقة وراء هذا كله.

وفي كل الأحوال فإن هذه الدول الصغيرة لا تستطيع مواجهة قتال، والشاهد أن الوضع الجغرافي لدول الخليج يضعها وسط حصار من القوى المحلية والإقليمية، وعلى خطوط التماس بين تيارات مذهبية وفكرية.

فالخريطة الجغراقية تظهر أن دول الخليج الصغيرة محاطة بثلاث دول مجاورة ليست أقوى منها فحسب، وإنما هي إلى جانب قوتها لها مطالبها القديمة أو الجديدة، وهي مطالب هاجعة كسيف في غمده يمكن إشهاره في لحظة:

ـ هناك المملكة العربية السعودية، وهناك إيران، وهناك العراق. وللثلاثة مطالب في دول الخليج: حقوق تاريخية ـ حدود ـ عصبيات ـ نفوذ ـ أمن.. إلى آخره.

ـ وهناك مصر وسوريا، ونفوذها السياسي واصل، ودورها في التوازنات مطلوب.

ـ وهناك عند الجنوب الشرقي وعند الشمال الغربي، العسكرية الباكستانية والعسكرية التركية، وكلاهما موجود وراء الإطار الإقليمي المباشر، ويمكن أن يكون له ما يحلم به خصوصا باكستان من وجود تأثير هندي(8) قوي في الخليج، ومع وجود جاليات آسيوية كبيرة.

ـ وهناك في الأعماق خلافات أسر، وتصادم شيع، وثارات قبائل، ومنافسات تمتد من قصور الأمراء إلى إسطبلات الخيل!

ـ وهناك وراء خط الأفق أساطيل لقوى عظمى وقواعد وإمدادات جرارة.

والسلاح مكدس في المخازن، وصناديقه مرصوصة فوق بعضها، وفيها ما تنتهي صلاحيته دون أن تفتح صناديقه، وهو ما زال يؤدي دوره المطلوب منه، فهو شريك في صنع الوهم، ثم إنه في كل الأحوال مفيد. وإذا لم يساهم في تمكين نظريات الأمن من تحقيق مطالبها، فهو يساعد في تنشيط سوق السلاح، وفي تشحيم عجلاتها لكي تواصل دورانها في ليونة ويسر.
ولعل الجزء الذي استطاع أداء دوره في الأمن هو ما كان موجها من أدواته إلى الداخل، فقد استوعب العرب  القبائل والمدن على حد سواء ـ أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا العصر في مجال الأمن الداخلي.

وفي نفس الوقت، فإن دواعي القلق على الأمن كانت كامنة لا تعالجها تكنولوجيا القمع، ولا تستطيع الوصول إليها وعلى سبيل المثال فإن الأسرة الحاكمة في السعودية كانت في ذلك الوقت، ولا تزال، معرضة لمشاكل بسبب قواعد ولاية العرش.

كانت القاعدة التي وضعها الملك "عبد العزيز" هي أن ينتقل "الملك إلى الأرشد من أبنائه". وكان مفهوم هذه القاعدة أن يكون انتقال الملك إلى أبناء الملك ليس باعتبار السن وحده، ولكن أيضا بمراعات أن يكون الأرشد المؤهل للعرش مولوداً لأم من قبيلة من قبائل المملكة الكبيرة.

وبمقتضى هذه القاعدة، فقد كان الملك "سعود" هو الذي خلف الملك "عبد العزيز"، ولكن الأسرة خلعته بعد سنوات، وأسقطت فترة حكمه كاملة حتى في صور الملوك المتعاقبين على العرش، كما فعل الشيوعيون في الاتحاد السوفيتي بالنسبة لزعمائهم الذين سقطوا في الصراعات الداخلية للحزب، فانمحى كل أثر لهم حتى في الصور والقواميس ودوائر المعارف!

وبعد "سعود" جاء الدور على الملك "فيصل". ومن بعده الملك "خالد" الذي كانت والدته من قبائل "شمر". وبعد الملك "خالد" جاء الملك "فهد" وإخوته الأشقاء ووالدتهم جميعا من قبيلة "السديري"، وولي العهد الآن هو الأمير "عبد الله" ووالدته من قبائل "شمر". وبعده في الغالب فإن الدور يحل على الامير "سلطان" ثم الأمير "سلمان"، وهما كأشقاء للملك "فهد" من والدة سديرية…

لكن المشكلة تنتظر عند نقطة في مستقبل غير بعيد.

فأصغر أبناء الملك "عبد العزيز" الآن فات الستين من عمره، وإذن فلابد من قاعدة جديدة لولاية العرش تحل محل قاعدة الأرشد من أبناء "عبد العزيز". وهذا هو الصراع القادم لأن ملكا من ملوك السعودية في سنوات قليلة يتحتم عليه ـ مثلما وقع للخديوي "اسماعيل" في مصر ـ أن يضع قاعدة لولاية العرش يكون من نتيجتها حصر هذه الولاية في فرعه هو من الأسرة، وتلك طبيعة الأشياء.

والمشكلة أن السلطة والثروة تفوقان الخيال في السعودية، وانتقال الملك من فرع إلى آخر في أسرة يبلغ تعداد أفرادها أكثر من سبعة آلاف من الذكور ـ كفيل بأن يحدث هزات كبرى. وربما لا يغيب عن الذاكرة أن "أميرا" من فرع "سعود" كان هو الذي أقدم على قتل الملك "فيصل" سنة 1975 نتيجة لضيق أحس به بعد تحول السلطة والثروة من فرع إلى فرع داخل الأسرة.

وتظهر بعض الوثائق أن عددا من أميرات الفرع الحاكم في السعودية، على سبيل المثال، كن يحصلن على أذونات بحصص من البترول يقمن في ظرف ساعات معدودات بالتنازل عنها لحساب مصدرين عربا، أو أجانب في مقابل نصيب معلوم. وقد تسربت بالفعل إحدى هذه الوثائق، وهي محضر وكالة من الأميرة "موضى عبد العزيز آل سعود" ـ لصالح وكيل لبناني تفوضه فيها في بيع حصتين من البترول تقررتا "لأمر الأميرة شخصيا" بحجم مليون برميل من نوع (API ـ 36) "لبيعها في السوق العالمية الحرة حسب الأصول المتعارف عليها".(9)

وليس بعيداً عن طبائع البشر أن تتسب هذه الأوضاع القلقة في صراع تختلط فيه الحقائق بالأوهام. ثم إنه ليس بعيدا عن طبائع البشر ن يتسبب هذا الوضع القلق أيضا في خلق فرق ومعسكرات وكتل تتصارع في الخفاء، وقد يفلت صراعها في أي لحظة وينفجر!

ولقد أظهرت أزمة الخليج اختلاقات في الرؤى والاجتهادات بين فروع الأسرة، وبين أجيال مختلفة الأعمار من أبنائها، وقد أدت هذه الاختلافات حتى وسط ضغوط الحرب إلى تقلصات حادة ومكتومة حتى إشعار آخر.

نتيجة لهذه الأحوال كلها نشأت في المنطقة نخبة سلطة لا ينبغي لأحد أن يمل من الحديث عنها والإشارة لها: مجموعات من الأجانب والعرب تربطهم أوثق الصلات بدوائر البترول،والمخابرات، وتجارة السلاح. وكانت هذه الدوائر الثلاث قريبة بالطبع من دائرة صنع القرار. وهكذا حدث اختلاط خطر في الامور وفي العلاقات وفي التصرفات، واقترب تأثير هذا الخطر على مجال التوجهات السياسية والقرارات، ونشأت شبكة ثانية من علاقات السلطة في الظل. كانت السلطة في العالم العربي قد انتقلت بحكم ظروف كثيرة إلى القمة، ولكن القمم لم تكن مع بعضها طوال الوقت، وهكذا نشأ تحتها خط مواز من الأتصالات تداخلت فيه الألون والظلال وبقع الظلام الداكنة كلها مع بعضها، وشهد العالم العربي كله نوعا من الاختراق أخطر مما عرف من قبل. كان العالم العربي في تاريخه الحديث يعاني من ظاهرة الاختراق الخارجي، لكن المدى الذي وصلت إليه هذه الظاهرة في تلك الحقبة البترولية لم يكن له مثيل.

وكان للاختراق جانب آخر. فإذا كان الاختراق يسمح للخارج بأن ينفذ إلى الداخل، فإن مواضع النفاذ نفسها تصبح ثغرات ينضح منها ويخر ما يحتويه الوعاء المخروق، ولم يكن في الوعاء، بما آلات إليه الأمور، إلا مال كثير وأوهام قوة أكثر.

وهكذا في ذلك العصر من الأوهام تصور بعض العرب أنهم يشاركون في رسم خرائط العالم، فإذا أموالهم تساعد في معارك دولية تخص غيرهم ولا تخصهم، مثل معارك أنجولا، والقرن الإقريقي، وجنوب شرق آسيا، وحتى في أمريكا اللاتينية.

كانت الولايات المتحدة بعد تجربة فيتنام لا تريد حروبا خارجية، ثم إن الكونجرس لم يعد على استعداد لأن يصرح لها بعد تلك التجربة المريرة باعتمادات تمارس بها مثل هذه الحروب الخارجية.

وكانت الأوهام العربية جاهزة، وكان المال العربي مستعدا.

وتورط بعض العرب في مغامرات طائشة ظهر القليل منها في تفاصيل فضيحة "إيران ـ كونترا" حين لعب بعض العرب وبمال عربي أدوارا غريبة في شراء سلاح للمتمردين في "نيكاراجوا". اشتروه من إسرائيل، وباعوه لوكالة المخابرات المركزية لتعطيه لمتمردي الكونترا، ثم يشترون بالمال سلاحا لإيرن ـ إثناء حربها مع العراق!

(وعلى سبيل المثال فقد تبرعت السعودية في دفعة واحدة بمبلغ 35 مليون دولار للمساعدة على إسقط نظام "الساندينستا" في نيكاراجوا).(10)

ولقد ظهرت وسط نخبة القوة العربية الجديدة نجوم بعضها شارد بلا مسار، وبعضها مضيء، وبعضها معتم.

إن النجوم في نخبة القوة العربية مجموعة من الرجال والنساء يصعب أن يوجد لها نظير في أفلاك دولية أخرى، وبمقدار ما أن السلطة في العالم العربي ذات طابع خاص، فإن نخبة القوة المحيطة بها لها هي الأخرى طابعها الخاص. ويمكن أن يقال بصفة عامة أن نخبة القوة العربية تحمل خصائص تميزها عن غيرها من نخب القوة في مجتمعات أخرى:

كلها بالطبع قريبة من القمة ـ دون أن تكون لها في معظم الأحيان مسئوليات رسمية تضع أصحابها في دائرة اختصاص عام يقاس به أداؤها، وبالتالي فإن نفوذها موجود، وفي الغالب غير ظاهر، ومحسوس وفي الغالب غير مقنن، وحجم النفوذ مرن ومتفاوت بين رجل وآخر، وبين فترة وأخرى بالنسبة لنفس الرجل.

ومعظم مجموعة نخبة القوة في أي بلد عربي على اتصال بمثيلاتها في بقية العالم العربي، وبحكم فردية السلطة، وشخصيتها في بعض الأحّيان، فإن علاقات قم السلطة فيه تجرى وتتم بغير طريق أجهزة الدولة الرسمية، وبالتالي فإن خطوط الاتصال تتم عن طريق رسل ووسطاء مباشرين يظهرون وسط العواصم على الطرق إلى القصور، ثم يختفون بنفس السرعة التي يظهرون بها.

وفي الغالب الأعم فإن مجموعات نخبة القوة العربية قريبة من أهم المواقع التي تكمن فيها مواضع صنع الثروة العربية: وأولاها البترول، والثانية تجارة السلاج والثالثة بضرورات الاشياء دوائر المعلومات بما فيها دائرة المخابرات ودائرة الإعلام. وهكذا فإن حجم التداخل بين العلاقات السياسية والمالية والاجتماعية والإنسانية نافذ إلى أعماق يصعب قياسها، أو رسم جدول بياني لشبكاتها ومساحاتها.

وبسبب هذا التشابك بين القوة، وعناصر الثروة، ودوائر المعلومات ـ فإن الأسلاك بين ما هو محلي، وبين ما هو إقليمي، وبين ما هو دولي ـ تتشابك وتتعقد وتخلق أحيانا أوضاعا يصعب التحكم فيها وضبط حركتها، أو حتى متابعتها.

وفي وقت من الوقات في الولايات المتحدة الأميركية وقف رجل مثل الرئيس الأسبق "دوايت ايزنهاور" ـ يقول في خطبة الوداع التي غادر بعدها البيت الأبيض في نهاية مدة رئاسته: "إنه يريد أن يحذر من مجموعة قوة في الولايات المتحدة تتداخل فيها مصالح الصناعات الكبرى مع مصالح المؤسسة العسكرية الأمريكية" ـ وهو ما أسماه "ايزنهاور" وقتها "المجمع العسكري ـ الصناعي".

وربما يحتاج العالم العربي إلى صوت ينبهه إلى تزايد دور "مجمع القوة العربي" الذي ظهر في السبعينات، ونما في الثمانينات، ويشك نفوذه أن يستشري في التسعينات.

وربما أمكن القول بشكل عام إن أحد النماذج الظاهرة لهذه النجوم في الآفاق العربية هو رجل مثل السيد "عدنان خاشقجي".

فهو على نحو أو آخر قريب ـ أو كان قريبا ـ من دوائر صنع القرار في السعودية.

وهو حامل رسائل ووسيط نشيط على الطريق بين عواصم عربية متعددة ـ أو على الأقل كان كذلك إلى عهد قريب.

وهو على صلة وثيقة بعمليات البترول، وتجارة السلاح، وينابيع الثروة المتدفقة منهما.

وهو قريب إلى درجة شديدة من دوائر المعلومات ودوائر المخابرات في العالم العربي، وخارجه، إلى درجة جعلته في القلب تماماً من قضايا خطيرة أشهرها قضية "إيران ـ كونترا"، وكان فيها على صلات عربية، وأمريكية، وإسرائيلية، وإيرانية، وبريطانية، وحتى فلبينية. وكانت الصلاة مالية، وتجارية، وسياسية، وإعلامية، واجتماعية ـ ظاهرة وخفية، وكله في نفس الوقت!

و"عدنان خاشقجي" نموذج واحد وبارز لأن الظروف ركزت عليه أضواء أبانت، وكشفت إلى درجة يمكن معها الرصد والمتابعة.

لكن هناك غيره آخرون لم تمسك بهم كشافات تركز عليهم بقع الضوء، وواصلوا حركتهم في غطاء تراكمات من الغمام والظل.

على أن عددا من المظاهر ـ في الغالب وليس بالضرورة دائما ـ يحيط بهؤلاء:

فهناك يخت في عرض البحر، وهناك قصور على الشواطئ في الصيف وعلى الجبال في الشتاء، وهناك حاشية لامعة ومضيئة بجمال الوجوه وأناقة الأزياء وسحر الجواهر، والعطور، وهناك طائرة خاصة، وهناك شركة حراسة أمريكية في الغالب تمسك بشئون الأمن، وتشرف عليها بضباط وجنود كانوا سابقا في القوات الخاصة للبحرية الأمريكية، وهؤلاء الحراس دائما هناك عند حواجز وأسوار شائكة ومكهربة وأبواب تقفل وتفتح بأزرار كهربائية، وفي أحزمتهم تتعلق أجهزة الاتصال اللاسلكي، وأيديهم لا تفارقها المدافع الرشاشة من طراز "أوزي" الإسرائيلي الشهير، ثم هناك أبراج الحراسة العالية من حول اليخوت والقصور وحدائق الزهور.

ذلك أن أوهام الأمن لا تقصر على الدول، وإنما هي تصيب الأفراد بموجب حقيقي أحيانا، وبغير موجب حقيقي في أحيان أخرى.

وكان "هنري كيسنجر" أول من لمح أوهام العرب، ووجدها مواتية للخطة الأمريكية ذات النقاط السبع.

ولقد رأى هو والرئيس "نيكسون"، ثم هو والرئيس "فورد" بعدها، استغلال عنصر إضافي آخر إلى معادلة الشرق الأوسط، وكان هذا العنصر هو شاه إيران "محمد رضا بهلوي". وكان التفكير الأمريكي يستند إلى عدة افتراضات:

1 ـ إن إيران ليست عربية، وبالتالي فهي ليست داخلة في أي احتمال حظر بترولي ضد أحد وبالذات الولايات المتحدة.

2 ـ إن بترولها بزيادة الضخ منه في حالات الطوارئ يمكن أن يعوض أي احتمال في المستقبل يقع معه وقف تدفق البترول العربي.

3 ـ إن حقيقة أن إيران غير عربية يمكن أن يساعد على إنشاء خط من العلاقات المباشرة بين طهران وتل أبيب لتكون إحدهما ـ طهران ـ شوكة في الخصر العربي عند الشرق على راس الخليج، والثانية ـ إسرائيل ـ حربة في الخصر العربي عند الغرب على شاطئ البحر الأبيض!

4 ـ إن شاه إيران شخصياً له رأى لا يخفيه في العرب من القاع في مدنهم إلى القمة في قصور حكامهم، وهو يشعر بعقدة استعلاء غريبة تصور له أنه وريث إيوان كسرى أمام قبائل من البدو والرحل يعرفون قواعد التعامل مع قطعات الغنم، وليس مع استراتيجيات البترول أو العالم.

وهكذا اندفعت السياسة الأمريكية في أواخر عصر "نيكسون" وبقية مدة رئاسته التي قضاها "فورد" في البيت الأبيض بعده، ثم طوال عهد "جيمي كارتر" ـ إلى سياسة قضت بتنصيب شاه إيران رجل بوليس مسئولا عن أمن الخليج ومفوضا.

وفي مرحلة سابقة خطرت للسياسة الأمريكية فكرة أن يكون الأمن الأمريكي في المنطقة منوطاً بمحور إقليمي يقوده شاه إيران، والملك "فيصل"، والرئيس "السادات". لكن الفكرة لم تستطع أن تحلق فوق الأرض، وكان الفضل راجعا إلى الملك "فيصل" الذي كتب إلى الرئيس "السادات" في إبريل سنة 1975 ـ أي قبل شهر واحد من اغتياله عل يد أحد أبناء إخوته ـ يقول له:

"فخامة الرئيس

أي كلام عن ترتيبات معينة بين مصر والمملكة وإيران يؤدي إلى إحراج لنا. وأول الإحراج أن نتهم بالسعى إلى إحياء حلف بغداد القديم. وهذا الأمر ليس من المصلحة."(11)

ونامت الفكرة بعض الوقت، ثم عادة مرة أخرى مع مجئ وهم السلام ليلحق بما سبقه من الأوهام في المنطقة، فقد كان شاه إيران من أكبر المشجعين للرئيس "السادات" على القيام برحلته إلى القدس سنة 1977. وراحت الأحلام تراود واشنطن بأن المستجدات الطارئة في الشرق الأوسط يمكن أن تصنع محورا جديداً يضم طهران والقاهرة وتل أبيب، وهذا المحور يمكن أن يكن بديلا جديدا يساعد الخطة الأمريكية.

ولم تكن السياسة الأمريكية غارقة مثل غيرها في الوهم. كانت ترى خطتها تأخذ طريقها المرسوم بحكم تداعيات الحوادث، وبحكم ما تم من خطوات عملية:

من ناحية كان البترول قد ظهر بكثافة لا باس بها في موقعين جديدين: بحر الشمال، وألاسكا.

ومن ناحية ثانية كانت "وكالة الطاقة الدولية"، وهي إحدى بنود خطة "كيسنجر" العلنية، قد اكتمل إنشاءها، وأصبحت قادرة على التدخل في سوق البترول وفق مقتضيات الظروف حيال أي طارئ ـ بإطلاق كميات من الاحتياطي تدعو إليها الحاجة هنا أو هناك كما أنها أصبحت تملك الوسائل التي تمكنها من تحويل ناقلاته من مكان إلى مكان آخر إذا ما دعت لذلك أسباب.

كذلك فإن الشرق الأوسط، والعالم العربي في وسطه، بدأ مستغرقا بالكامل في أوهامه.

كان الهدوء يعود إلى أعصاب السياسة الأمريكية التي انشغلت بميادين أخرى في العالم، خصوصا في أوروبا.

وكانت شركات البترول الأمريكية الكبرى لا تريد مزيدا من التدخل السياسي الحكومي في شئونها، وقد عادت الآن ـ على حد تعبير "روبرت آندرسون" (وزير الخزانة الأسبق في الولايات المتحدة) ـ "لكي تتصرف وكأنها دول مستقلة، وفي بعض الأحيان كأنها دول عظمى".

كانت الأوهام قد جاوزت حدود العقل، حتى فقدت صلتها بالواقع.

وفي ديسمبر، وفي احتفالات عيد الميلاد سنة 1977 ـ كان الرئيس الأمريكي "جيمي كارتر" يقضي احتفال العيد ضيفا على "محمد رضا بهلوي" شاه إيران. ووقف الرئيس الأمريكي ـ الذي أقام شهرته على أساس احترام حقوق الإنسان! ـ وسط الحفل يرفع كأسه في صحة مضيف الذي بدا وكأنه حكم إيران ويتحكم في المنطقة كلها بيد من حديد، ويقول له: "انكم يا صاحب الجلالة الإمبراطورية استطعتم تحويل بلادكم إلى جزيرة من السلام والاستقرار وسط بحر من القلاقل والفوضى، وهذا راجع إلى قدرتكم وحكمتكم".

ولم تكد تمضي على شرب هذه الكأس من رحيق الورد إلا شهور حتى كانت الثورة الإسلامية في إيران تهز قوائم عرش الطاووس، وتكسر الكؤوس والرؤوس في طهران!

 

 

الصفحة الرئيسية