Make your own free website on Tripod.com

   الشاهد للدراسات السياسية والاستراتيجية        

   
     

 

كيف تتصرف الحركة الإسلامية إزاء ظاهرة العولمة

 باعتبارها ظاهرة جديدة على العالم المعاصر، وهي كأي ظاهرة تمنح المتصلين بـها والمتعاملين معها فرصاً، كما تفرض عليهم قيوداً، ونحن نعتقد أن الحركة الإسلامية تقع في قلب ظاهرة العولمة كفاعل من ناحية، ومتأثر من ناحية أخرى، ومن الواجب على الحركة الإسلامية أن يكون لديها تصور واضح عن كيفية التعامل مع ظاهرة "العولمة" ؛ لتعظيم الفرص التي تقدمها "العولمة"، وتحجيم الخسائر أو القيود أو حتى تحويلها إلى فرص، والحركة الإسلامية بما أنـها طليعة أمتها فإنـها بالضرورة ستجد نفسها في قلب الخضمّ الهائل الذي تثيره العولمة، وعلى جميع الأصعدة والمستويات الثقافية والسياسية والأمنية والاتصالية والفكرية والحضارية وحتى الاقتصادية، وفي هذا المقال نسعى أولاً إلى التعرض لتعريفات العولمة، وثانياً الحركة الإسلامية وقضايا العولمة، وثالثاً الفرص والقيود، ورابعاً مستقبل الحركة الإسلامية في ظل العولمة.

أولاً: الجدل حول تعريفات العولمة:

تشير "العولمة"  إلى التداخل الواضح في شؤون الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والسلوك بشكل يتجاوز الحدود السياسية للدول أو الأوطان، وبدون حاجة إلى إجراءات حكومية، ففي الاقتصاد ازداد تدفُّق حركة رؤوس الأموال والسلع والخدمات، وانتشرت التقنية بشكل هائل، كما تتدفق رؤوس الأموال الدولية،  وفي الاجتماع يجري تدفق الناس عبر الحدود بشكل غير مسبوق، كما مكنت وسائل الاتصال البشر من التعامل المباشر مع المعلومات والأفكار والقيم حيثما كانت، وفي السياسة أتاحت الأطباق الطائرة وشبكة الاتصالات الدولية "إنترنت" إلى معرفة الناس بما يجري في العالم، بل وأتاحت لهم معرفة ما يجري في دولهم، بحيث لم يعد بمقدور الأنظمة السياسية أن تفرض على مواطنيها نمطاً معيناً من السياسات أو الممارسات، وفي الثقافة استطاع الناس التعامل مع الأفكار والقيم وأنماط السلوك والحياة، بحيث يسود فرض نوع معين من السلوك مثل ارتداء ملابس الجينـز، والحديث بالإنكليزية، وانتشار مطاعم مكدونالدز وشراب البيبسي.

وفي الواقع فإن ظاهرة العولمة قديمة، باعتبار أن هناك قدراً من التداخل والتأثير بين البشر، خاصة مع بدايات الكشوف الجغرافية والعصور الحديثة،  لكن معدل التأثر والتأثير وكثافة التواصل والتداخل يجري الآن بصورة لم تعرفها البشرية من قبل، بسبب ثورة الاتصالات والمعلومات التي جعلت العالم يتحول إلى قرية صغيرة، تتقارب المسافات فيها،  بحيث يمكن لأي إنسان أن يشاهد الحدث وقت وقوعه، كما حدث في احتفالات الألفية وكما حدث في ظاهرة كسوف الشمس، وفي الواقع فإن العولمة ليست فقط بِنًى علمية واتصالية، وإنما لها أبعادها غير المتكافئة في العلاقات بين الشعوب والدول وبنى البشر، أي أنـها ليست ظاهرة محايدة، ففي الاقتصاد يتم توظيف العولمة لصالح الأقوى، خاصة الشركات متعددة الجنسيات وفي الثقافة فإنـها تسعى إلى فرض ثقافة الأقوى، وفي نظم الاجتماع والمؤسسات فإنـها تروج أيضاً لنظم الاجتماع والمؤسسات الأقوى، والواقع أن العولمة بدأت تظهر كمصطلح مع سقوط الاتحاد السوفييتي وانـهيار النظم الشيوعية، ثم الحديث عن "نـهاية التاريخ"، أي اعتبار انتصار التحررية (الليبرالية) الغربية والنموذج الأمريكي هو النهاية الحتمية، التي يتوقف عندها قطار الإنسانية، ثم ظهر الحديث عن "النظام العالمي الجديد"، مع مجيء أمريكا إلى العالم العربي في الخليج، والتدخل لقمع العراق وتعزيز الوجود الأمريكي البري في الخليج، ثم بدأ الحديث عن "صراع الحضارات"، والحديث عن الثقافة الإنسانية والكونية والإنسان العالمي، أي أن "العولمة" تستبطن قيماً هي القيم الغربية.

وراج مفهوم "العولمة" مع ما اعتبر انتصاراً للحضارة الغربية على غريمها الأساسي وهو الشيوعية، ويمثل انتشار النموذج الأمريكي - أو فرضه عبر العولمة - أحد التجليات أو النتائج التي تفرضها "العولمة"، وانتشرت مع العولمة مفاهيم حقوق الإنسان وقضاياه، وفرض معايير لحقوق الإنسان، وحق التدخل من أجل حماية حقوق الإنسان، كما بدأت قضايا المرأة والسكان في الظهور، بحيث يتم فرض نمط معين للمرأة ولعدد السكان في دول العالم الإسلامي على وجه الخصوص، كما حدث في المؤتمر الدولي للسكان والتنمية، الذي عُقد في القاهرة من 5-13 من سبتمبر عام 1994، إذ أرادت الجمعيات النسوية الغربية أن تفرض نمطاً معيناً لنظام الأسرة والعلاقات بين الرجل والمرأة، بل وإعادة تعريف الأسرة، ثم المؤتمر العالمي للمرأة في بكين من 4-5 من سبتمبر عام 1995، وأخيراً مؤتمر المجلس الأعلى للثقافة، الذي عُقد في القاهرة، بمناسبة مرور مائة عام على إصدار كتاب قاسم أمين "تحرير المرأة".

وبدأت تظهر قضايا الأقليات والاضطهاد الديني، وأصدرت أمريكا قانوناً سمته "قانون التحرر من الاضطهاد الديني" تستخدمه أمريكا كأداة للتدخل في شئون العالم الإسلامي بدعوى حماية الأقليات الدينية.

ثانياً: الحركة الإسلامية وقضايا العولمة:

يمثل الجانب الثقافي للعولمة - والمتصل بالهوية الجانب الأهم - بالنسبة للحركة الإسلامية؛ باعتبار أن الحركة الإسلامية كانت دائماً في مواجهة الغزو الفكري والثقافي الذي يستهدف هوية الأمة وعقيدتـها، ومن الواضح أن العولمة تريد النفاذ إلى تفكيك بنية المجتمعات الإسلامية، وقواعد الاجتماع الإسلامي خاصة فيما يتصل بالأسرة والمرأة، حيث تقدم تقنيات العولمة التي تعتمد على الصورة والحركة نماذج جديدة مختلفة ومتعارضة عن النموذج الإسلامي، كما تنتشر منظمات غير حكومية تدعو إلى "تسوية العالم"، وفرض صورة صراعية عن الذكر والأنثى، عكس التكامل الذي يقدمه الإسلام.

وتسعى الحكومات إلى تبني قوانين وبناء مؤسسات اجتماعية تتنافى قطعاً مع النموذج الإسلامي، من أجل الالتحاق بالمؤسسات الغربية كتعبير عن قبول العولمة، وكما هو حاصل الآن في مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، الذي أقره مجلس الشعب المصري، والذي يعطي للمرأة حق السفر بدون إذن الزوج، كما يعطيها حق الخُلع وحرية الزواج السري (بلا إشهار وولي)، وهنا على الحركة الإسلامية ألا تتوانى أو تقصر في التعريف بالأحكام الشرعية الإسلامية الخاصة بالمرأة والأسرة والأحوال الشخصية، وتعمل على توسيع قاعدة العلماء والقانونيين،  الذين يعارضون هذه التوجهات الحكومية،  كما أن الحركة الإسلامية مدعوة إلى التعامل مع قضايا الشباب بوعي، بحيث تأخذ بيده بعيداً عن تقاليع وتقاليد الحضارة الغربية في الموسيقى والرقص والزي والأفكار والتصورات، عبر حركة دعوية لا تتوقف، تربط الشباب بقضايا دينه وأمته وتاريخه، بعيداً عن الانسحاق أمام موجات التغريب والإباحية.

وفي قضايا حقوق الإنسان، فالحركة الإسلامية بحاجة إلى اجتهاد يحدد المساحات التي تتنافى فيها قيم حقوق الإنسان الغربية مع الإسلام، وتؤكد على نبذها مثل "المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة"، أو "المساواة المطلقة بين البشر"، فكل دين وأمة لها خصوصياتـها، التي تؤكد عليها، ولا يمكنها التنازل عنها، أما فيما يتصل بالمشترك الإنساني العام - مثل الدفاع عن كرامة الإنسان وآدميته وحقه في إبداء رأيه وحقه في اختيار ممثليه وحقه في حماية خصوصياته، وإلغاء ما يقيد حرية البشر وتوسيع السلطات الأمنية والاستثنائية مثل قوانين الطوارئ والتعذيب والمعتقلات وبالنسبة للأقليات وحقوقها - فإن الإسلام يعترف بالأقليات الدينية، أما ما يتصل بالتميز العرقي أو القومي أو الأجناس فإن الإسلام لا يجعله معياراً للتمييز، فالإسلام يعترف بالتعددية الدينية في إطار النظام الإسلامي، ويؤكد قاعدة "لا إكراه في الدين" لغير المسلمين، كما يؤكد حرية الاعتقاد بالنسبة لهم، أما الديموقراطية الغربية فإن الحركة الإسلامية ترفض البعد القيمي فيها، المتصل بحق التشريع من دون الله أما ما يتصل بالإجراءات فإنه يمكن الإفادة منها بما لا يتعارض مع قواعد وأصول السياسة الشرعية في الإسلام. وبالنسبة للموقف من فرض مفاهيم تـهز "الولاء"، مثل طرح "إنسان الشرق أوسطية" أو "الإنسان الكوني" أو "إنسان السوق"، فالحركة الإسلامية تزكي وتدعو للإنسان المسلم الذي تربى على القيم الإسلامية، التي تجعل منه عبد الله وحده، يحقق الولاء للمسلمين والمؤمنين، ويحقق البراء من المشركين على المستوى العقَدي، والبراء منهم على المستوى الحركي بممارسة فريضة القتال ضدهم، خاصة "الصهاينة"، وعلى الحركة الإسلامية أن تتواجد بقوة بين ثنايا وفي تلافيف مجتمعاتـها؛ لدعوتـهم إلى الإسلام، وللمشاركة في المساحات التي تتيحها العولمة فيما يتصل بالمنظمات غير الحكومية بالذات، وللحركة لحماية هذه المجتمعات من خطر التفكيك والاستلاب، الذي تسعى إليه العولمة، ولعل هذا يفرض على الحركة الإسلامية الحذر في الانخراط المندفع مع حكوماتـها في صدامات مسلحة عنيفة وشاملة، لا تكون محسوبة؛ لأنه بقدر ما قللت "العولمة" من دور الدولة فإنـها جعلت من الدولة كياناً حساساً لأي تـهديد من الداخل، مع التفريط في العلاقة بالخارج، وتحتاج الحركة الإسلامية إلى مراجعة خططها ومواقفها وحساباتـها، بحيث تضع في أولوياتـها ضرورة التواجد المجتمعي، والتنبه إلى خطر العامل الخارجي، وكيف يمكن مقاومته.

وفي كل الأحوال فإن الحركة الإسلامية بحاجة إلى الارتفاع لمستوى التحديات، التي فرضتها العولمة، خاصة فيما يتصل بطرح "الإرهاب" و"الخوف من الإسلام" كمفاهيم ونظريات  رائجة تـهدد حركات التحرير المسلحة كما في فلسطين، وتـهدد الوجود الإسلامي في الغرب، خاصة تواجد الأقليات الذي وصفه "جيل كيبل" بأنه "حدود جديدة لدار الإسلام في الغرب"،  وتحتاج الحركة الإسلامية في كل الأحوال إلى اجتهادات فقهية وحركية للتعامل مع هذه القضايا الجديدة.

ثالثاً: الفرص والقيود:

إن العولمة أتاحت للحركة الإسلامية مجموعة من الفرص، كما طرحت عليها مجموعة من القيود، وعلى الحركة الإسلامية أن تعمل على تعظيم الفرص، والتغلب على القيود، ويمكن الإشارة إلى بعض هذه الفرص في الآتي: 

1-  وسائل الاتصال وتقنياته المختلفة - مثل شبكات الاتصالات الدولية "إنترنت" والهاتف النقال والبريد الإلكتروني - تمثل فرصة للحركة الإسلامية، حيث إنـها تيسر وسائل الاتصال لتبادل الآراء وتداول وجهات النظر بين جميع العاملين في الحركة الإسلامية، خصوصاً صناع القرار فيها والمفكرين لها، بحيث يحدث نوع من التلاقح بين الفريقين، مما يعزز فرصة الحركة في التغلب على مشكلاتـها الحاضرة، وبناء استراتيجية للمستقبل،  بحيث لا تصبح الحركة رد فعل للأحداث، وإنما تستبقها، وتسعى للمبادرة بشأن وضع برامج وخطط وبدائل للأحداث قبل أن تقع.

2-  القنوات الفضائية وعمل مواقع على شبكة الاتصالات الدولية تتيح الفرصة لأبناء الحركة الإسلامية أن يخاطبوا شعوبـهم، وبخاصة أولئك المحرومون من التعبير عن آرائهم في بلدانـهم،  بسبب خلافهم مع حكوماتـهم، كما أن بناء مواقع للفكر الإسلامي والحركات الإسلامية على الشبكات سوف يقلل من الاختراق الإباحي والترفيهي لهذه الشبكة؛ ولا شك أن اتجاه خصخصة وسائل الإعلام كتابع لمسألة الخصخصة في الاقتصاد وكجزء من تغييرات العولمة سوف يعطي الحركة الإسلامية في المستقبل فرصة امتلاك وسائل إعلامها وقنواتـها التلفازية الخاصة بـها، وعلى أقل تقدير فإنه يضغط على بعض الأنظمة باتجاه التزام الموضوعية وإتاحة الفرص لبعض أبناء الحركة الإسلامية للإفادة من هذه الوسائل.

3-  تعطي "العولمة" لأبناء الحركة الإسلامية مواقف يمكنهم اتخاذها كنقطة انطلاق نحو بناء مواقف تجعل الجماهير تقف خلفهم، وتعزز من شرعيتهم في مواجهة الأنظمة المتسلطة في بلدانـهم، فمثلاً خصخصة الشركات والمرافق والقطاع العام سوف يؤدي إلى نزع الغطاء الاجتماعي  لقطاعات واسعة وفعالة من العمال بالذات، كما سيؤدي إلى انسحاب الدولة التدريجي لحماية القطاعات الفقيرة من أبناء الأمة، وهو ما يعطي للحركة الإسلامية فرصة النشاط والحركة في أوساط العمال من ناحية،  والعمل من أجل حماية هؤلاء الفقراء من خلال الأعمال الخيرية والاجتماعية، وهو ما يعني اتساع القواعد المؤيدة للحركة الإسلامية في صفوف هؤلاء المضارين من عملية الخصخصة، وتقليص دور الدولة، كما أن الخصخصة سوف تصحبها عمليات فساد ونـهب واسعة، وهو ما يعطي فرصة لكشف المفسدين أمام الرأي العام،  والذي سيجعل الحركة الإسلامية حركة متصدرة للعمل السياسي والفكري الثقافي والمجتمعي.

4-  تنامي النفوذ الغربي المرتبط بالعولمة، خاصة فيما يتصل بالقيم الثقافية والسلوك الاجتماعي وأنماط الحياة في المأكل والمشرب والملبس واللغة - سوف يعطي فرصة كبيرة للحركة الإسلامية للتصدي، وهو سيؤدي إلى فرز ثقافي وفكري داخل المجتمعات، بحيث يتميز الخبيث من الطيب، ومن يقف مع قيم الغرب وثقافته ومن يقف مع الثقافة الإسلامية.

5-  العولمة سوف تتيح اتساع المنظمات غير الحكومية والأهلية والمجتمعية، كما ستتيح توسيع الأنشطة الخاصة في المجال الفكري وحتى الاقتصادي، وعلى الحركة الإسلامية أن تنخرط بقوة لتحصل على حصة لها من هذه المساحات المهمة التي تنازع الدولة، ولا تجعلها القوة الوحيدة المهيمنة، كما أنه على الحركة الإسلامية الإفادة من النقابات المهنية إذا كان ذلك لا يؤدي للتنازل عن المبادئ والضغوط؛ باعتبار أن هذا كله مجالات للسلطة والنفوذ،  فعلى الحركة أن تكون موجودة في النقابات وجماعات الضغط والمصالح مثل الغرف التجارية والصناعية، وجمعيات ومنظمات حقوق الإنسان، وحتى رجال الأعمال، أو تقوم ببناء جمعيات ومنظمات خاصة بـها حسب الظروف والأحوال، وبشكل عام فإن أي تحول نحو إتاحة مساحة واسعة من الحرية في بلادنا تحت ضغط العولمة متصل بتوسيع حرية الرأي أو الانتخابات الحرة أو حرية الحركة يعطي فرصة أفضل للحركة الإسلامية؛ فهي حركة تنمو وتنشط في الظروف التي توجد بـها مساحات حرية كبرى.

6-  مع العولمة سوف تسعى أمريكا إلى فرض مفاهيمها وأفكارها الخاصة بعملية التسوية السياسية، حيث ستدفع الأنظمة العربية للتفاوض مع الكيان الصهيوني الذي اغتصب فلسطين الحبيبة، وهو ما سيكشف غطاء الشرعية عن هذه الأنظمة، كما هو حادث الآن بالنسبة لسورية، وفي ذلك الحين سوف تطرح مشاريع الشرق أوسطية، والتي سوف تؤدي إلى اتساع مساحات الغضب الجماهيري، حيث إن الجماهير لا تزال تقاوم التطبيع، وتكره اليهود، وهو ما سيعطي فرصة لنشاط وعمل الحركة الإسلامية.

ويمكن الحديث أيضاً عن مجموعة من القيود، وهي:

1-  التحدي الأهم للحركة الإسلامية هو اعتبار القوة العظمى - وهي أمريكا - أن الحركة الإسلامية هي العدو الرئيسي لها، وأن الحركة يمكنها أن تضرب المصالح الأمريكية بقوة؛ لذا فإن التعاون الاستخباراتي بين أمريكا والأنظمة العربية والإسلامية يمثل أهم التحديات والقيود التي تواجهها الحركة، وفي مصر على سبيل المثال يوجد مكتب F.B.I.،كما أن وكالة الاستخبارات المركزية(C.I.A) تنشط مع الموساد وأجهزة المخابرات الغربية كافة؛ للقضاء على كوادر الحركة الإسلامية، وفي مصر - على سبيل المثال - سقط العديد من الكوادر في ألبانيا وآذريبجان وأمريكا اللاتينية وأمريكا وكندا وإفريقية وآسيا عبر تعاون استخباراتي أمريكي غربي دولي.

2-  وصم الحركة الإسلامية بأنـها حركة إرهابية، والسعي لوصم أي عمل جهادي حتى لو كان مشروعاً وتحريرياً وضد المحتل - بأنه عمل إرهابي، والترويج لذلك عبر الآلة الإعلامية الغربية الضخمة، ومساندة الدول العربية والإسلامية للدخول في المنظومة الأمنية الغربية،  عبر بناء اتفاقيات إقليمية وثنائية ودولية، ويرتبط بـهذا التشويه الإعلامي الغربي للإسلام ؛ لإيجاد حالة من الخوف من الإسلام في الغرب،  حيث توجد أقليات إسلامية كبيرة، وحيث يمثل الإسلام أحد الأديان التي يدخل فيها الغربيون طلباً للأمن والاستقرار النفسي والسعادة، التي عجزت المذاهب الغربية عن أن تمنحها لهم.

3-  الحركة الإسلامية في عصر العولمة هي ذاتـها أصبحت حركة عالمية عابرة للحدود والقارات، وتحتاج إلى اجتهاد جديد، وتأمل جديد، خاصة في نظرة الحركة لنفسها وللفصائل المختلفة التي تنتمي إليها، فالتحدي الأساسي للحركة الإسلامية هو طرح رؤى اجتهادية توحد ولا تفرق، تجمع ولا تشتت، وتعتبر أن أي جهد إسلامي صواب هو جهد مطلوب ومشروع، بحيث تسود روح التآلف والحب والاعتصام، وهي الأرضية التي يمكن أن تنهض على أساسها الحركة الإسلامية لمواجهة خصومها، كما أن الحركة بحاجة لإعادة تعريف خصومها وترتيب أولوياتـها؛ حيث إن أمريكا والكيان الصهيوني يمثلان أهم التحديات التي تواجهها، ربما أكثر من الأنظمة ذاتـها.

4-  مع عملية التسوية التي يمكن أن تكون فرصة فهي قيد أيضاً ؛ لأنـها سوف تؤدي إلى فرض مفهوم جديد للأمن، يتفق فيه الجميع على دخولهم لقطار التسوية، بحيث لا تبقى هناك مجالات للحركة للمناورة والانطلاق للجهاد، كما حدث في الأردن مع حماس مثلاً، ومن ثم فعلى الحركة أن تجعل من جماهيرها القاعدة الأساسية الصلبة لانطلاقها وجهادها.

5-  الحركة الإسلامية حركة كبيرة وممتدة،  ولها وجودها وكيانـها،  الذي يحسب له ألف حساب، ومن ثم فهي بحاجة إلى بناء اجتهادات فقهية وسياسية عبر مؤسسات ثابتة وراسخة، بحيث تجعل من القتال أداة من أدواتـها التي توجه في المجالات المفتوحة للجهاد مثل الشيشان الآن،  أما القتال في الداخل فإنه يجب أن يسبقه عمل مجتمعي وسياسي كبير وواسع، بحيث لا ينـزع إليه إلا لضرورات خاصة جداً، أو لحسم الصراع النهائي مع السلطات اللادينية الغاشمة، فالأصل في الداخل هو العمل المجتمعي الفكري السياسي ذو الطابع السلمي، وفي الخارج حيث توجد مجالات للقتال في الأصل يكون القتال معها،  وفي ظل جميع الأحوال  فلا بد من وجود مؤسسة تصنع القرار؛ لتحدد ماذا تفعل الحركة وأين ومتى وكيف ولماذا؟.

رابعاً: العولمة ومستقبل الحركة الإسلامية:

تتيح العولمة فرصاً وتفرض قيوداً كما ذكرت - وعلى الحركة الإسلامية أن تعظم الفرص وتتغلب على القيود،  بحيث يكون للحركة مؤسساتـها الثابتة والراسخة،  والتي تساعد على المبادرة والتأمل ووضع الخطط المستقبلية والبديلة، وعلى الحركة الإسلامية أن يكون لها صناع قراراتـها، الذين يملكون الخبرة العلمية والعملية، بحيث يكون مستقبل الحركة مبنياً على أسس علمية رصينة، تقدر الدافع بقدره، بلا مبالغة في معطياته أو تـهوين منها، بحيث يبتعد عن الانفعال أو الوقتية، وعلى الحركة أن تحدد العلاقة بين ما هو ثابت وما هو متغير في النسق التشريعي الإسلامي،  وبناء فقه حركي أقرب لفقه الدول، وليس مجرد فقه لإدارة جماعات صغيرة محلية، فالحركة الآن أصبحت بحجم كبير، وكما أوضحنا فهي حركة عابرة للقارات، ولا بد للحركة من بناء كوادرها، وتأهيلهم للتعامل مع تقنيات العولمة الحديثة، ومع الواقع المجتمعي والسياسي، وعليها مراعاة الخصوصيات بالنسبة للمجتمعات المختلفة، وبناء خطاب إسلامي منضبط، يأخذ المتغيرات المختلفة في حسبانه، ويجب أن تتحلى الحركة بالشجاعة للنقد دون تخوف، وفي ظني أن العلاقة مع المؤسسات الدينية الرسمية في حاجة إلى مراجعة من الحركة، وبناء مواقف مع العلماء الذين ينحازون لأمتهم، ولا بد من وضع المقاصد الشرعية في اعتبار الحركة.

إن العولمة تفرض على الحركة الإسلامية أن تجدد أدواتـها وطرق تفكيرها ومؤسساتـها وكوادرها، حتى يمكنها مواجهة تحدي العولمة بلا خسارة، وإنما جعل هذا التحدي في مصلحة الحركة الإسلاميةuuu

 

إن قلت إن في العولمة شرا كثيرا فأنت محق لا ريب‏,‏ وإن قلت إن فيها خيرا كثيرا فأنت أيضا محق‏,‏ لأنها مسكونة بهذا وذاك‏.‏ لكننا سنختلف حتما إذا سرت في موكب الهاتفين باسم القرية الواحدة التي أصبح يشبه بها عالم هذا الزمان‏,‏ لأن في القرية ـ لايزال ـ سادة وعبيدا‏,‏ ونحن لسنا من السادة يقينا‏!‏ ـ بهذا قدمت لمحاضرتي في الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد‏,‏ التي كان موضوعها المسلمون وثورة الاتصالات في عصر العولمة وهو ما أشرت إليه من قبل‏,‏ ووعدت بأن أرجع إليه بشيء من التفصيل‏,‏ ظنا مني أن فيه ما قد يهم القراء‏.‏

‏(1)‏
لايحسبن أحد أن ما قلته هو أهم كلام في المؤتمر‏,‏ فذلك شرف لا أدعيه‏,‏ لأن موضوع العالم الإسلامي والعولمة‏,‏ الذي كان محور مناقشات الموسم الثقافي‏,‏ بحث من زوايا عدة‏,‏ وتحدث فيها بأهم مما قلت أساتذة كبار من أمثال الدكاترة‏:‏ محمد عمارة ومحمود زقزوق والطيب زين العابدين ورجاء جبر وأحمد درويش‏,‏ غير عدد وفير من العلماء وأهل الاختصاص الباكستانيين‏.‏ وتناول هؤلاء موضوعات موقف الإسلام من العولمة‏,‏ والعولمة وصدام الحضارات‏,‏ ثم العولمة وثورة المعلومات‏,‏ والابداع الفكري‏.‏ وكنت أحد المشاركين في جلسة مناقشة المحور الأخير‏,‏ وإذ لاحظت أن ما قيل بحق العولمة كان قريبا مما قاله مالك في الخمر‏,‏ فإنني حاولت أن أوازن الموقف بالاطلال علي المشهد من زاويته الإيجابية ونصفه الملآن‏.‏
انعقد الاتفاق بين الأغلبية علي مجموعة من التعريفات أسهمت إلي حد كبير في تحرير العنوان الذي تحته وقف الجميع‏,‏ من ذلك مثلا أن ثمة تفرقة بين العالمية والعولمة‏,‏ فالأولي تفتح الثقافات المختلفة علي العالم مع الاحتفاظ بالخلاف الأيديولوجي‏,‏ بينما الثانية ـ العولمة ـ تعبر عن نفي الآخر وإحلال الاختراق الغزو‏!‏ الثقافي محل الصراع الأيديولوجي‏,‏ بكلام آخر فإن العالمية تعتمد وتحترم تعدد الثقافات‏,‏ ولكن العولمة تضيق بالتعدد‏,‏ وتنطلق من الانحياز إلي فكرة الثقافة الواحدة‏.‏
من ذلك أيضا أن العولمة مفهوم اقتصادي بالدرجة الأولي‏,‏ وهي في جوهرها تمثل انصهار العدد الهائل من الاقتصاديات القروية والإقليمية والوطنية‏,‏ في اقتصاد عالمي شمولي واحد‏,‏ لا مكان فيه للخاملين‏,‏ بل يقول أولئك الذين يقدرون علي مواجهة عواصف المواجهة الهوجاء ـ والتعريف للاقتصادي الألماني ادوارد لوتوك‏.‏
من ذلك أيضا أن العولمة تصاغ الآن في الممارسة العملية بحسبانها مرادفا للأمركة‏,‏ وهو ما يختزله البعض في مصطلح كوكلة العالم‏,‏ أي فرض النمط الاستهلاكي الأمريكي الذي يعد مشروب الكوكاكولا رمزا له علي العالم‏,‏ وهو ما أشرت إليه في مقال سابق بهذا المكان للعلم‏:‏ الأمريكيون مارسوا ضغوطا هائلة لادخال الكوكاكولا إلي فرنسا والصين وروسيا ـ وقد استخدم بعض المبشرين للعولمة والمتحمسين لها مصطلح الأمركة كمقابل لها‏,‏ ومنهم توماس فريدمان في كتابه الذي ذاع أمره حين ترجم إلي العربية أخيرا‏,‏ تحت عنوان السيارة ليكساس وشجرة الزيتون‏.‏
لفت أنظارنا في هذا الصدد الدكتور أحمد درويش الأستاذ بكلية دار العلوم إلي دقة الترجمة لمصطلح
Globalisation
العربية‏,‏ وكيف أن كلمة العولمة جاءت تعبيرا عن مكنون ذلك المصطلح‏,‏ لأن اختيار صيغة فوعل جاءت غاية في التوفيق‏,‏ باعتبارها دالة علي التشكيل المفروض من خارج المادة‏,‏ وهو ما يحمل معني الفوقية وأحادية الاتجاه‏,‏ بخلاف صيغة تفاعل التي توحي بالحوارية وثنائية الاتجاه‏.‏
وهو يعلق علي هذه النقطة ذكر الدكتور درويش أن أهل اللغة في تعريب مصطلح العولمة انتبهوا إلي ما لم ينتبه إليه أقرانهم منذ ثلاثة قرون‏,‏ حينما فاجأتهم البذرة الأولي لظاهرة العولمة‏,‏ ممثلة في الامبريالية الأوروبية‏,‏ فاستخدموا في التعبير عنها مصطلح الاستعمار‏,‏ الذي لم يكن دقيقا لأن الكلمة مسكونة بمفهوم عمارة الأرض وإصلاحها‏,‏ وهو نقيض ما سعي إليه الامبرياليون الأوروبيون‏,‏ وان شاع مصطلح الاستعمار بعد ذلك واستقر بصورته المعيبة في قاموس الخطاب العربي‏.‏

‏(2)‏
احتاج مصطلح القرية الواحدة إلي وقفة أطول في تحريره‏,‏ ربما لأنه شاع علي ألسنة كثيرين من المثقفين‏,‏ حتي أصبح الجميع يتعاملون معه ببراءة شديدة‏,‏ وكأنه صار حقيقة واقعة في ظل العولمة‏.‏ وقد شجعني علي تلك الوقفة أن حكاية القرية الواحدة كانت مدخلا لحديثي عن ثورة المعلومات والاتصالات‏.‏
صحيح أن ثورة الاتصالات جعلت العالم صغيرا بحيث أصبح بمقدور الإنسان أن يطوف بأرجائه المختلفة بمجرد الضغط علي بعض الأزرار‏,‏ وهو مسترخ في مقعده أو مستلق علي فراشه‏,‏ لكن ليس صحيحا أن العالم أصبح قرية كونية واحدة‏,‏ تتساوي فيها الرءوس أو حتي تتقارب‏,‏ فتلك القرية الكونية التي صك اسمها المفكر الكندي مارشال ماكلوهان وجدت بالفعل‏,‏ ولكن علي شكل آخر يختلف عما تصوره ماكلوهان‏..‏ ففيها الكبار والصغار والسادة والعبيد والمرسلون والمستقبلون‏.‏
في هذا الصدد‏,‏ لاحظ مؤلف كتاب فخ العولمة ـ الألمانيان هانس بيتر مارتيني وهارالد شومان ـ أن العالم لاينمو نموا يفرز التلاحم والالتئام‏,‏ حقا تابع مليار إنسان في العالم مباراة بطولة الملاكمة‏,‏ التي أجريت بين اكسل شولتز ومايكل مورو في ملعب مدينة دورث مورت الأمريكية‏,‏ كما تابع ثلاثة مليارات ونصف المليار تابعوا عبر شاشات التليفزيون افتتاح الدورة الأوليمبية في مدينة اتلانتا باعتبارها أهم حدث رياضي في القرن‏.‏ غير أن الملاكمة والمسابقات الرياضية لاتخلق‏..‏ وأن نقلتها كل تليفزيونات المعمورة‏,‏ تبادلا ثقافيا ولا تفاهما دوليا‏,‏ واذا كانت وسائل الاتصالات قد عجزت عن ذلك‏,‏ فستكون أشد عجزا عن تقريب المستويات المعيشية بين أبناء القرية المفترضة‏.‏
بسبب من ذلك‏,‏ فإن الترويج لمقولة القرية الصغيرة بعد نوعا من الافراط في التجريد‏,‏ لأن العالم صغر حقا‏,‏ ولكن زمام الأمور فيه لايزال بيد الأقوياء والأثرياء السادة‏,‏ الذين يملكون القدرة والثروة‏,‏ وبهما يبسطون نفوذهم علي الآخرين من الأتباع والعبيد‏,‏ الذين هم ـ بالتحديد ـ شعوب العالم الثالث‏.‏ في إطار تلك القرية الصغيرة فإن شعوب العالم الثالث لاتتبادل شيئا مع الأثرياء والأقوياء من سكانها‏,‏ ولكنهم بالكاد يتلقون منهم وينصاعون لهم‏,‏ وهو أمر لا يبهجنا كثيرا‏,‏ ولا أري مبررا للحفاوة به أو التغني بإطلاله علينا‏.‏

‏(3)‏
في ثورة المعلومات والاتصالات‏,‏ انتقلت المعلومة من الورق إلي الالكترون‏,‏ الأمر الذي فتح الباب علي مصراعيه أمامها لكي تصل إلي الكافة‏,‏ واذا كانت النخبة في السابق هي التي تتلقي المعارف فتهضمها وتستوعبها‏,‏ ثم تنقلها إلي الناس‏,‏ فإن الأمر اختلف الآن تماما‏,‏ حيث أصبحت المعلومات متاحة للكافة مباشرة دون المرور بجسر النخبة أو مصفاتها ومختبراتها‏,‏ ولأن القواعد العريضة أصبحت هي المتلقي المباشر للمعلومات‏,‏ فإن الذين يبثونها أصبحوا حريصين علي تبسيطها لتسهيل استقبالها‏,‏ الأمر الذي فتح الباب أمام الترويج للثقافة الشعبية الرخيصة‏,‏ التي لا تحتاج إلي جهد في التفكير أو الاستيعاب‏.‏ من ثم فقد أصبحت السوق حافلة بالمعلومات الوفيرة والضحلة في ذات الوقت‏,‏ جنبا إلي جنب مع المعلومات الجادة والرصينة‏.‏
نتيجة لتلك الثورة فإن المعلومات لم تعد تصل إلي الكافة متجاوزة النخب فحسب‏,‏ ولكنها قبل ذلك أصبحت تتجاوز الحدود والقيود‏,‏ بل وتتجاوز جميع البني والمؤسسات التقليدية‏,‏ ففي بعض الدول الغربية لم يعد المرء يحتاج مثلا إلي حزب سياسي واسع النفوذ لكي يفوز في الانتخابات‏,‏ ولكنه اذا تمكن من جهاز إعلامي قوي‏,‏ فبوسعه أن يصل إلي الناس‏,‏ ويكسب تأييدهم دون المرور بقناة الأحزاب‏.‏ وهذا ما فعله بيرلسكوني رئيس وزراء إيطاليا الأسبق‏,‏ وما لجأ إليه روس بيرو المرشح للرئاسة الأمريكية في السابق‏,‏ الأمر الذي دفع البعض في أوروبا والولايات المتحدة إلي الاعراب عن قلقهم من أن تشكل ثورة الاتصالات تهديدا للديمقراطية‏,‏ باعتبار أنه في ظلها أمكن التأثير علي الرأي العام‏,‏ بل واصطناع رأي عام مزيف‏.‏
في كل الأحوال‏,‏ فلعله لم يحدث في التاريخ أن سمع وعرف عدد هائل من الناس بما يجري في المعمورة كما يحدث اليوم‏,‏ من خلال ثورة المعلومات وثورة الاتصال‏,‏ الأمر الذي يرتب نتيجة أخري بالغة الأهمية‏,‏ هي أنه لأول مرة في التاريخ نجح الإعلام القوي ـ الغربي بالدرجة الأولي ـ في أن يشكل للبشرية تصورا واحدا للوجود‏,‏ يظل محوره هو النموذج الحضاري الغربي‏.‏

‏(4)‏
نقل عن رئيس المخابرات المركزية الأمريكية جون دويتش قوله في عام‏96‏ أن الالكترون أصبح السلاح المثالي لاصابة الأهداف‏,‏ وكان ذلك نموذجا للكيفية التي تستخدم فيها المعلومات والاتصالات لكسب المعارك العسكرية فضلا عن السياسية والحضارية‏,‏ حتي أصبح مصطلح الغارات الالكترونية متداولا بين الباحثين‏,‏ وقصد به تنظيم حملات تشويه أو اغتيال وابادة دون إطلاق رصاصة واحدة‏.‏ وانما فقط عبر استخدام وسائل ثورة الاتصال والمعلومات‏.‏
في هذا الإطار تسربت للصحف الغربية معلومات عن كراسة أعدتها وزارة الدفاع الأمريكية حول الغارات الالكترونية‏,‏ تحدثت عن نوعين من القتل‏,‏ أحدهما ناعم والآخر صارم‏.‏
في القتل الناعم يكون الهدف هو إحداث التدمير النفسي للخصم‏,‏ فحين بثت أجهزة الإعلام الأمريكية صورا لجنود عراقيين يلثمون أحذية الجنود الأمريكيين أثناء معركة عاصفة الصحراء التي استهدفت تحرير الكويت‏,‏ فلك أن تتصور مايمكن أن يحدثه ذلك في معنويات زملائهم الذين لم يستسلموا‏,‏ أو في معنويات الجبهة الداخلية‏.‏
مثل هذه الصور يمكن أن تكون حقيقية‏,‏ كما أنه من الممكن افتعالها‏,‏ لأن تقنيات ثورة الاتصال أصبحت قادرة علي اصطناع ما يمكن أن يسمي بالواقع الظاهري‏,‏ وهو الواقع الذي لا أصل له من الحقيقة‏,‏ وانما هو متخيل بالكامل‏,‏ من أوله إلي آخره‏,‏ بمقتضاه مثلا فإن التليفزيون يمكن أن يبث شريطا عن استسلام جيش لم يستسلم أو نجاح انقلاب لم يقع‏!.‏
من قبيل القتل الناعم أيضا إطلاق فيروسات تصيب شبكة الاتصالات لدي الطرف الآخر ـ مثلا ـ بما يؤدي إلي شلها‏,‏ الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلي اشاعة الفوضي‏,‏ ويمكن من إحداث العديد من الاضطرابات‏.‏
أما القتل الصارم فأمره بسيط‏,‏ والصواريخ التذكية هي أبرز نماذجه وتجلياته وهي الصواريخ التي تطلق باتجاه أهداف بذاتها‏,‏ دون طيار بطبيعة الحال‏,‏ وهي مزودة بجميع التعليمات اللازمة لبلوغ هدفها‏.‏
ثمة استخدام آخر لثورة الاتصال أكثر إيجابية في المجال السياسي‏,‏ فاذا كنا قد أشرنا إلي امكانية التأثير علي الرأي العام بواسطة أجهزة الإعلام وتجاوز الأحزاب السياسية‏,‏ فقد وجدنا أن الحزب الديمقراطي الأمريكي في ولاية الاسكا قد قرر أن يسمح لأعضائه بالاقتراع عبر شبكة المعلومات الدولية الانترنت‏,‏ لاختيار مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية‏.‏ وكانت المفاجأة المدهشة أن‏82%‏ من أعضاء الحزب في الولاية اقترعوا بهذه الطريقة‏,‏ الأمر الذي يؤيد بقوة احتمال توسيع نطاق العملية‏,‏ بحيث يعتمد التصويت عبر الانترنت أحد الوسائل المعتمدة في الاقتراع العام بالدول الصناعية المتقدمة تكنولوجيا‏,‏ يليه احتمال يقودنا إلي امكانية اللجوء إلي الديمقراطية المباشرة التي تتعامل في ظلها القيادة السياسية عبر المجتمع مباشرة‏,‏ دون المرور بالأحزاب والمؤسسات السياسية‏.‏
ولا غرابة في ذلك‏,‏ خصوصا أن المشاركين في شبكة الانترنت الآن قدر عددهم بنحو‏300‏ مليون شخص‏,‏ سيزيدون في نهاية العام الجاري إلي‏450‏ مليونا‏,‏ حسب تقديرات شركة ايجوس ريد الكندية‏,‏ ولا ننسي في هذا الصدد أن‏59%‏ من الأمريكيين يستخدمون الانترنت بشكل يومي‏108‏ ملايين شخص مقابل‏52%‏ من اليابانيين و‏53%‏ من البريطانيين‏,‏ وتبلغ النسبة‏42%‏ في أوروبا الغربية‏,‏ وتشير الدراسات المستقبلية إلي أن‏93%‏ من مواطني أوروبا الغربية والولايات المتحدة واليابان سيكون لديهم اشتراك بالانترنت خلال السنوات العشر المقبلة‏.‏
ان الحكومة السويدية تبحث الآن امكانية تعميم فكرة الاقتراع عبر الانترنت‏,‏ الأمر الذي يثير سؤالا مستقبليا مهما للغاية هو‏:‏ اذا ما تمكن الناس من ذلك‏,‏ سواء في بيوتهم أو عبر أجهزة تضعها الحكومة في أكشاك الهاتف لاستخدام من لا يملكون كمبيوتر كما يفكرون في السويد‏,‏ فهل تبقي هناك حاجة إلي المجالس النيابية إذن؟‏..‏ خصوصا اذا تولت المجالس المحلية مهمة الرقابة‏,‏ وأمكن الاحتكام إلي الناس مباشرة في صدد أي تشريع يرجي اصداره دونما حاجة إلي وكلاء للأمة؟

‏(5)‏
في الوجه الآخر لمعركة الالكترون‏,‏ نري أمورا أخري إيجابية تهم العرب والمسلمين‏,‏ في مقدمتها مايلي‏:‏
‏ ان ثورة المعلومات والاتصالات تفتح الأبواب لإمكانية اختصار مراحل التقدم‏,‏ ذلك أن تقنيات الاتصال مكنت الباحثين من تحصيل معارف وخبرات ماكان متاحا لهم أن يحصلوها من قبل‏,‏ ووضعت تحت أيديهم معلومات غزيرة ووفيرة‏,‏ ما كان ميسورا عليهم متابعتها من قبل‏.‏
نتيجة لتلك الثورة‏,‏ فقد خفت قبضة الأنظمة الاستبدادية علي الشعوب‏,‏ إذ بات من العسير علي أي نظام أن يغلق الأبواب والنوافذ علي شعبه ولا أن يصادر الأفكار‏,‏ أيا كان اتجاهها‏,‏ ذلك أن ثورة الاتصالات والمعلومات أتاحت الفرصة لاختراق الحدود‏,‏ بقدر ما أثرت فكرة العولمة علي قيمة السيادة‏.‏
‏ لقد درجنا ـ نحن العرب والمسلمين ـ علي الشكوي من احتكار المؤسسات والعناصر الصهيونية لوسائل الإعلام‏,‏ ونجاحها بالتالي في تشويه صورتنا وقلب الحقائق المتعلقة بقضايانا‏,‏ وهذا صحيح لا ريب‏,‏ لكن الموقف تغير الآن إلي حد كبير‏,‏ فقد انكسر هذا الاحتكار واتسع المجال للعرب والمسلمين ـ وكل صاحب قضية ـ لكي يقدمها بنفسه إلي الآخرين‏,‏ وأن يدافع عنها إلي أبعد مدي‏,‏ من خلال مواقع الانترنت التي هي متاحة للجميع‏,‏ وقد أصبحت قادرة علي الوصول إلي أي مكان في أرجاء الكرة الأرضية الأربع‏.‏
‏ يتصل بذلك أنه أصبح بمقدور المسلمين أن يبلغوا الناس كافة بما عندهم‏,‏ وأن يردوا المطاعن والشبهات التي توجه إلي عقائدهم‏,‏ واذا ما هم قصروا في اهتبال الفرصة‏,‏ فلن تكون تلك مسئولية القوة المعادية أو المتربصة‏,‏ ولكنه سيكون تقاعسا وعجزا يلامون بسببه هم وليس غيرهم‏.‏
‏ بعدما تقطعت أوصال الأمة الإسلامية وتحولت إلي شراذم موزعة علي الجهات الأربع‏,‏ وفرت ثورة الاتصال للأمة فرصة التواصل مرة أخري علي نحو افتقدناه منذ شن الاستعمار الغربي حملاته علي الأمة في القرنين السابع الثامن عشر‏,‏ حتي أنه صار بوسعنا أن نقول ان الأقمار الصناعية جعلت الحياة تدب في أوصال الأمة مرة أخري‏,‏ ومكنت شعوبها من تبادل الأفكار والخبرات والحوارات المباشرة دون عائق يذكر‏.‏
‏ علي صعيد آخر‏,‏ فإن المهاجرين في عالمنا العربي والإسلامي الذين انقطعوا عن بلادهم وأهليهم سنين عددا‏,‏ هؤلاء جميعا لاحقتهم الأوطان حيث وجدوا‏,‏ بعدما أصبح بمقدورهم أن يتواصلوا مع مجتمعاتهم وثقافتهم بعد طول انقطاع‏,‏ الأمر الذي جعل عملية تذويبهم في المجتمعات التي هاجروا إليها مسألة أكثر صعوبة‏.‏
‏ أخيرا فإن ثورة الاتصالات والمعلومات حلت مشكلة مجتمعات العالم الإسلامي التي لاتزال تثير جدلا حول خروج المرأة للعمل ومشاركتها في الحياة العامة‏,‏ حيث أصبح ممكنا أن يتم ذلك في البيوت وعبر شبكة الانترنت‏,‏ بحيث تصبح المرأة حاضرة في المجتمع والوظيفة‏,‏ وغير غائبة عن البيت في نفس الوقت‏.‏
ان ثمة آفاقا إيجابية ورحبة فتحتها أمامنا ثورة الاتصال ـ نحن وغيرنا ـ حتي لم يعد هناك مبرر للشكوي من الاحتكار والاضطهاد‏,‏ فليس الطريق مسدودا‏,‏ كما أننا لسنا بلا حيلة‏..‏ وما قد يريده البعض سلاحا ضدنا‏,‏ بوسعنا أن نجعله سلاحا ندافع به عن أنفسنا‏,‏ ونرد كيد الآخرين إلي نحورهم‏..‏