Make your own free website on Tripod.com

   الشاهد للدراسات السياسية والاستراتيجية        

   
     

ترشيح المرأة للمجالس النيابية بين الإجازة والمنع

أحدث نبأ ترشيح جماعة الإخوان المسلمين أول سيدة لانتخابات مجلس الشعب القادمة التي تُجرى منتصف أكتوبر القادم (السيدة جيهان عبد اللطيف الحلفاوي) دويًّا كبيرًا، كما أحدث انقسامًا في صفوف الإسلاميين المصريين، بين مؤيد ومعارض لهذا الترشيح.

وفيما كشف هذا الأمر عن تطور الرؤية الفقهية والسياسية لبعض التنظيمات الإسلامية فيما يخص دور المرأة في المجتمع، فإنه كشف في المقابل عن تحكم الرؤية السلفية التقليدية لدى تنظيمات وجمعيات إسلامية أخرى، ممن تمنع المرأة من المشاركة في الحياة العامة، وتقصر دورها على العمل داخل المنزل.

فالمستشار محمد المأمون الهضيبي - نائب المرشد العام، المتحدث الرسمي باسم الإخوان المسلمين - أكد أن قضية حق المرأة في الانتخاب والترشيح محسومة لدى الجماعة التي ترى أن للمرأة كل الحق في ذلك، وأن هذا الموقف بُني على دراسات واجتهادات فقهية أخذت وقتًا من النقاش على مستوى فقهاء الجماعة، وتضمنتها رسالة المرأة المسلمة في المجتمع المسلم التي صدرت عام 1994م.

وقال الهضيبي: إننا لا نرى ثمة نص في الشريعة الغرّاء يحجب مشاركة المرأة في هذه الأمور، بل إن قول الله تبارك وتعالى: "وَالْمُؤْمِنُوْنَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُوْنَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ..."، وقوله: "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون" يتضمنان تكليفًا للمرأة تؤديه بالمشاركة في اختيار أهل الحل والعقد على وجه شرعي، وفي بعض الحالات قد تكون هذه المشاركة واجبة وضرورية؛ فقوانين الانتخابات المعمول بها في كثير من الدول الإسلامية الآن تنص على إطلاق حق المرأة في الانتخاب، وإحجام المرأة المسلمة عن المشاركة في الانتخابات يضعف من فرصة فوز المرشحين الإسلاميين، وما قيل عن حق المرأة في الانتخاب يقال أيضًا عن حقها في الترشيح، ونيابتها عن الشعب.

فتوى الدكتور يوسف القرضاوى

ترشيح المرأة للمجالس النيابية بين الإجازة والمنع

 1-مكانة المرأة في الإسلام.

المرأة إنسان مكلف مثل الرجل، مطالب بعبادة الله تعالى، وإقامة دينه، وأداء فرائضه، واجتناب محارمه، والوقوف عند حدوده، والدعوة إليه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وكل خطابات الشارع تشملها، إلا ما دل دليل معين على أنه خاص بالرجال فإذا قال الله تعالى: (يأيها الناس) أو (يأيها الذين آمنوا) فالمرأة داخلة فيه بلا نزاع.

ولهذا لما سمعت أم سلمة رضي الله عنها النبي يقول: (أيها الناس) وكانت مشغولة ببعض أمرها، هرعت لتلبية النداء، حتى استغرب بعضهم سرعة إجابتها، فقالت لهم: أنا من الناس.

والأصل العام: أن المرأة كالرجل في التكليف إلا ما استثنى ؛ لقوله تعالى:

 (بعضكم من بعض) (آل عمران: 195)،وقوله (إنما النساء شقائق الرجال).

(رواه أحمد والترمذي وأبو داود والدارمي).

والقرآن الكريم يحمل الجنسين الرجال والنساء جميعًا، مسئولية تقويم المجتمع وإصلاحه، وهو ما يعبر عنه إسلاميًا بعنوان (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) يقول الله تعالى:

والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن  ( المنكر، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله). (التوبة: 71).

ذكر القرآن في هذا المقام سمات أهل الإيمان، بعد أن ذكر سمات أهل النفاق بقوله: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف)

( التوبة: 67 ).

فإذا كانت المنافقات يقمن بدورهن في إفساد المجتمع، بجانب الرجال المنافقين فإن على المؤمنات أن يقمن بدورهن في إصلاح المجتمع، بجانب الرجال المؤمنين.

وقد قامت المرأة بدورها في عهد النبي، حتى إن أول صوت ارتفع في تصديق النبي عليه الصلاة والسلام وتأييده، كان صوت امرأة هي خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وأول شهيد في الإسلام كان امرأة، هي سمية أم عمار، رضي الله عنها.

حتى إن منهن من قاتل مع النبي في أحد وحنين ...وغيرهما. وحتى جاء في تراجم البخاري: (باب غزو النساء وقتالهن).

والناظر في أدلة القرآن والسنة يجد أن الأحكام فيهما عامة للجنسين، إلا ما اقتضته الفطرة في التمييز بين الزوجين: الذكر والأنثى، وما أعد له كل منهما . فللمرأة أحكامها الخاصة بالحيض والنفاس والاستحاضة والحمل والولادة والإرضاع والحضانة ونحوها.

وللرجل درجة القوامة والمسئولية عن الأسرة، ولها عليه حق الإنفاق والرعاية.

وهناك أحكام تتعلق بالميراث، جعل فيها للذكر مثل حظ الأنثيين، والحكمة فيها واضحة، وهي مبنية على تفاوت الأعباء والتكاليف المالية بين الرجل والمرأة.

وأحكام أخرى تتعلق بالشهادة في المعاملات المالية والمدنية، وقد جعلت شهادة المرأتين فيها كشهادة الرجل. وهي أيضًا مبنية على اعتبارات واقعية وعملية روعي فيها الاستيثاق في البيانات، احتياطًا لحقوق الناس وحرمانهم.

لذلك وجد من الأحكام ما تقبل فيه شهادة امرأة واحدة، كما في الولادة والرضاع.

تنبيهات مهمة:    2-     

وأود أن أنبه هنا على جملة أمور مهمة:

الأول: أننا يجب ألا نلزم أنفسنا إلا بالنصوص الثابتة الصريحة الملزمة.

أما ما لا يثبت من النصوص كالأحاديث الضعيفة، أو ما كان محتملاً في فهمه لأكثر من وجه، وأكثر من تفسير -مثل ما جاء في شأن نساء النبي - فليس لأحد أن يلزم الأمة بفهم دون آخر، وخصوصًا في الأمور الاجتماعية العامة التي تعم بها البلوى، وتحتاج إلى التيسير.

الثاني: أن هناك أحكامًا وفتاوى لا نستطيع أن نفصلها عن عصرها وبيئتها . ومثلها قابل للتغيير بتغير موجباته. ولهذا قرر المحققون أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال والعرف.

وكثيرًا مما يتصل بالمرأة من هذا النوع، قد أصابه التشدد والتغليظ حتى حرم عليها الذهاب إلى المسجد، برغم معارضة ذلك للنصوص الصحيحة الصريحة . ولكنهم قدموا الاحتياط وسد الذريعة على النصوص، بناء على تغير الزمان.

الثالث: أن العلمانيين اليوم يتاجرون بقضية المرأة، ويحاولون أن يلصقوا بالإسلام ما هو براء منه، وهو أنه جار على المرأة، وعطل مواهبها وقدراتها، ويحتجون لذلك بممارسات بعض العصور المتأخ نظرة في الأدلة

أدلة من ذهبوا إلى تحريم دخول المرأة المجالس النيابية والرد عليها:

على هذا الأساس يجب أن ننظر في موضوع دخول المرأة في "مجلس الشعب" أو الشورى ومشروعية ترشيحها، ومشروعية انتخابها لهذه المهمة في ضوء الأدلة الشرعية.

فمن الناس من يرى ذلك حرامًا وإثمًا مبينًا، ولكن التحريم لا يثبت إلا بدليل لا شبهة فيه.

والأصل في الأشياء والتصرفات الدنيوية الإباحة، إلا ما قام الدليل على حرمته، فما الدليل على التحريم، الذي يسوقه هؤلاء ؟.

أ- آية: (وقرن في بيوتكن):

بعضهم يستدل هنا بقوله تعالى: (وقرن في بيوتكن) فلا يجوز للمرأة أن تدع بيتها إلا لضرورة أو حاجة.

وهذا الدليل غير ناهض:

أولا: لأن الآية تخاطب نساء النبي كما هو واضح من السياق، ونساء النبي لهن من الحرمة وعليهن من التغليظ ما ليس على غيرهن . ولهذا كان أجر الواحدة منهن إذا عملت صالحًا مضاعفًا، كما جعل عذابها إذا أساءت مضاعفًا أيضًا.

وثانيا: أن أم المؤمنين عائشة، مع هذه الآية، خرجت من بيتها، وشهدت معركة الجمل استجابة لما تراه واجبًا دينيًا عليها، وهو القصاص من قتلة عثمان . وإن أخطأت التقدير فيما صنعت.

وثالثا: أن المرأة قد خرجت من بيتها بالفعل، وذهبت إلى المدرسة والجامعة، وعملت في مجالات الحياة المختلفة، طبيبة ومعلمة ومهندسة ومشرفة وإدارية وغيرها، دون نكير من أحد يعتد به، مما يعتبره الكثيرون إجماعًا على مشروعية العمل خارج البيت للمرأة بشروطه.

ورابعا: أن الحاجة تقتضي من المسلمات الملتزمات أن يدخلن معركة الانتخاب في مواجهة المتحللات والعلمانيات اللائي يزعمن قيادة العمل النسائي، والحاجة الاجتماعية والسياسية قد تكون أهم وأكبر من الحاجة الفردية التي تجيز للمرأة الخروج إلى الحياة العامة.

وخامسا: أن حبس المرأة وفي البيت لم يعرف إلا أنه كان في فترة من الفترات قبل استقرار التشريع -عقوبة لمن ارتكبت الفاحشة-:

(فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً)

(النساء: 15) فكيف يظن أن يكون هذا من الأوصاف اللازمة للمرأة المسلمة في الحالة الطبيعية ، وبأقوال بعض المتشددين من المعاصرين.

ب- سد الذرائع:

وهناك من ينظر إلى الأمر من زاوية أخرى، وهي زاوية سد الذرائع . فالمرأة عندما ترشح للبرلمان، ستتعرض في أثناء الدعاية الانتخابية للاختلاط بالرجال وربما الخلوة بهم، وهذا حرام، وما أدى إلى الحرام فهو حرام.

ولا شك أن سد الذرائع مطلوب، ولكن العلماء قرروا أن المبالغة في سد الذرائع كالمبالغة في فتحها، وقد يترتب عليه ضياع مصالح كثيرة، أكبر بكثير من المفاسد المخوفة.

وهذا الدليل يمكن أن يستند إليه من يرى منع المرأة من الإدلاء بصوتها في الانتخاب خشية الفتنة والفساد، وبهذا تضيع على أهل الدين أصوات كثيرة، كان يمكن أن تكون في صفهم ضد اللادينيين، ولا سيما أن أولئك يستفيدون

جـ- المرأة والولاية على الرجل:

وهناك من يستدلون على منع المرأة من الترشيح للمجلس النيابي بأن هذا ولاية على الرجال، وهي ممنوعة منها . بل الأصل الذي أثبته القرآن الكريم أن الرجال قوامون على النساء، فكيف نقلب الوضع وتصبح النساء قوامات على الرجال ؟.

وأود هنا أن أبين أمرين:

الأول: أن عدد النساء اللائي يرشحن للمجلس النيابي محدود، وستظل الأكثرية الساحقة للرجال، وهذه الأكثرية هي التي تملك القرار، وهي التي تحل وتعقد فلا مجال للقول بأن ترشيح المرأة للمجلس سيجعل الولاية للنساء على الرجال.

الثاني: أن الآية الكريمة التي ذكرت قوامية الرجال على النساء، إنما قررت ذلك في الحياة الزوجية، فالرجل هو رب الأسرة، وهو المسئول عنها، بدليل قوله تعالى.

(الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) ( النساء: 34) فقوله: (بما أنفقوا من أموالهم) يدلنا على أن المراد القوامة على الأسرة، وهي الدرجة التي منحت للرجال في قوله تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة)

 ( البقرة: 228).

ومع قوامية الرجل على الأسرة، ينبغي أن يكون للمرأة دورها، وأن يؤخذ رأيها فيما يهم الأسرة، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في مسالة فطام الرضيع:

( (فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما)

( البقرة: 233).

وكما جاء في الحديث الذي رواه أحمد: (آمروا النساء في بناتهن) أي استشيروهن في أمر زواجهن.

أما ولاية بعض النساء على بعض الرجال -خارج نطاق الأسرة -فلم يرد ما يمنعه، بل الممنوع هو الولاية العامة للمرأة على الرجال.

والحديث الذي رواه البخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه مرفوعا:

 (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) إنما يعني الولاية العامة على الأمة كلها، أي رئاسة الدولة، كما تدل عليه كلمة (أمرهم) فإنها تعني أمر قيادتهم ورياستهم العامة . أما بعض الأمر فلا مانع أن يكون للمرأة ولاية فيه، مثل ولاية الفتوى أو الاجتهاد، أو التعليم أو الرواية والتحديث أو الإدارة ونحوها، فهذا مما لها ولاية فيه بالإجماع، وقد مارسته على توالي العصور . حتى القضاء أجازه أبو حنيفة فيما تشهد فيه، أي في غير حدود القصاص، مع أن من فقهاء السلف من أجاز شهادتها في الحدود والقصاص، كما ذكر ابن القيم في (الطرق الحكمية). وأجازه الطبري بصفة عامة، وأجازه ابن حزم، مع ظاهريته، وهذا يدل على عدم وجود دليل شرعي صريح يمنع من توليها القضاء، وإلا لتمسك به أبن حزم وجمد عليه، وقاتل دونه كعادته.

وسبب ورود الحديث المذكور يؤيد تخصيصه بالولاية العامة، فقد بلغ النبي أن الفرس بعد وفاة إمبراطورهم، ولوا عليهم ابنته بوران بنت كسرى، فقال:

(لن يفلح قوم ...) الحديث.من أصوات النساء المتحللات من الدين.

وقد وقف بعض العلماء يومًا في وجه تعليم المرأة، ودخولها المدارس والجامعات من باب سد الذرائع حتى قال بعضهم: تعلم القراءة لا الكتابة حتى لا تستخدم القلم في كتابة الرسائل الغرامية ونحوها . ولكن غلب التيار الآخر ووجد أن التعلم في ذاته ليس شرًا بل ربما قادها إلى خير كثير.

ومن هنا نقول: إن المسلمة الملتزمة -إذا كانت ناخبة أو مرشحة -يجب أن تتحفظ في علاقاتها للرجل من كل ما يخالف أحكام الإسلام، من الخضوع بالقول، أو التبرج في الملبس، أو الخلوة بغير محرم، أو الاختلاط بغير قيود .وهو أمر مفروغ منه من قبل المسلمات الملتزمات.

ء- شبهة وردها:

ومن الشبهات التي أثارها بعض المعارضين لترشيح المرأة في المجلس النيابي قولهم: إن عضو المجلس النيابي أعلى من الحكومة نفسها، بل من رئيس الدولة نفسه، لأنها -بحكم عضويتها في المجلس - تستطيع أن تحاسب الدولة ورئيسها . ومعنى هذا: أننا منعناها من الولاية العامة، ثم مكناها منها بصورة أخرى.

وهذا يقتضي منا إلقاء الضوء بالشرح والتحليل لمفهوم العضوية في المجلس الشورى أو النيابي.

مهمة عضو المجلس النيابي:

ومن المعلوم أن مهمة المجالس النيابية في الأنظمة الديمقراطية الحديثة ذات شقين، هما المحاسبة والتشريع.

وعند تحليل كل من هذين المفهومين يتضح لنا ما يأتي:

معنى المحاسبة:

المحاسبة أو المراقبة في تحليلها النهائي حسب المفاهيم الشرعية، ترجع إلى ما يعرف في المصطلح الإسلامي بـ (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وبـ (النصيحة في الدين) وهي واجبة لأئمة المسلمين وعامتهم.

والأمر والنهي والنصيحة مطلوبة من الرجال والنساء جميعًا . والقرآن الكريم يقول هذا بصريح العبارة:

(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر). (التوبة: 71).

والرسول حين قال -فيما رواه مسلم -(الدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم) لم يجعل ذلك مقصورًا على الرجال وحدهم.

ولقد رأينا المرأة ترد على أمير المؤمنين عمر في المسجد، فيرجع عن رأيه إلى رأيها، ويقول: (أصابت المرأة وأخطأ عمر) كما رواه ابن كثير وجود إسناده.

وقد استشار النبي أم سلمة في غزوة الحديبية فأشارت عليه بالرأي السديد، وقد بادر إلى تنفيذه، فكان من ورائه الخير.

وما دام من حق المرأة أن تنصح وتشير بما تراه صوابًا من الرأي، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقول: هذا صواب وهذا خطأ، بصفتها الفردية، فلا يوجد دليل شرعي يمنع من عضويتها في مجلس يقوم بهذه المهمة . والأصل في أمور العادات والمعاملات: الإباحة إلا ما جاء في منعه نص صحيح صريح وما يقال من أن السوابق التاريخية في العصور الإسلامية . لم تعرف دخول المرأة في مجالس الشورى، فهذا ليس بدليل شرعي على المنع، فهذا مما يدخل في تغيير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال . والشورى لم تنظم في تلك العصور تنظيمًا دقيقًا لا للرجال ولا للنساء، وهي من الأمور التي جاءت فيها النصوص مجملة مطلقة، وترك تفصيلها وتقييدها لاجتهاد المسلمين، حسب ظروفهم الزمانية والمكانية وأوضاعهم الاجتماعية وإذا كان فعل الرسول بمجرده لا يدل على أكثر من الإباحة، فكيف يفعل غيره ممن لا عصمة له ؟.

ونحن الآن نتيح للمرأة أعمالاً لم تكن معروفة من قبل، وننشئ لها المدارس والكليات، تضم الملايين من الفتيات، وتخرج معلمات وطبيبات ومحاسبات وإداريات، وبعضهن مديرات لمؤسسات فيها رجال، فكم من معلم في مدرسة بنات تديرها امرأة، وكم من أستاذ في كليات بنات عميدتها امرأة، وكم من موظف في شركة أو مؤسسة تديرها امرأة، أو تملكها امرأة، وقد يكون زوج المرأة نفسه مرءوسًا لها في المدرسة أو الكلية أو المستشفى، أو المؤسسة التي تديرها، وهي مرءوسة له إذا عادت إلى البيت.

والقول بأن مجلس الشعب أو الشورى أو الأمة -حسب تسمياته المختلفة- أعلى مرتبة من الحكومة أو السلطة التنفيذية نفسها، ومنها رئيس الدولة، لأنه هو الذي يحاسبها، قول غير مسلم على إطلاقه.

فليس كل محاسب أعلى منزلة ممن يحاسبه، وإنما المهم أن يكون له حق المحاسبة وإن كان أدنى منه.

فما لا ريب فيه أن أمير المؤمنين، أو رئيس الدولة أعلى منزلة، وأعلى سلطة في الدولة، ومع هذا نجد أن من حق أدنى فرد في رعيته أن ينصح له ويحاسبه ويأمره وينهاه، على نحو ما قاله الخليفة الأول:

(إن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فقوموني).

وما قال الخليفة الثاني: (من رأى منكم في اعوجاجًا فليقومني).

ولا ينكر أحد أن من حق المرأة أن تحاسب زوجها -وهو القوام عليها- في شئون البيت والنفقة، وتقول له: لم اشتريت هذا ؟ ولم أكثرت من هذا ؟ وكيف لا ترعى ولدك ؟ ولم لا تصل رحمك ؟ إلى غير ذلك من مظاهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

على أن المجلس إن كان أعلى من الحكومة - بوصفه الذي يشرع لها و يحاسبها - فذلك باعتبار مجموعه لا باعتبار كل فرد فيه، والأغلبية في المجموع للرجال.

جانب التشريع في المجلس:

والشق الثاني من مهمة مجلس الشعب يتعلق بالتشريع.

وبعض المتحمسين يبالغون في تضخيم هذه المهمة، زاعمًا أنها أخطر من الولاية والإمارة، فهي التي تشرع للدولة، وتضع لها القوانين، لينتهي إلى أن هذه المهمة الخطيرة الكبيرة لا يجوز للمرأة أن تباشرها.

والأمر في الحقيقة أبسط من ذلك وأسهل . فالتشريع الأساسي إنما هو لله تعالى . وأصول التشريع الآمرة الناهية هي من عند الله سبحانه وتعالى، وإنما عملنا نحن البشر هو استنباط الحكم فيما لا نص فيه. أو تفصيل ما فيه من نصوص عامة . وبعبارة أخرى عملنا هو الاجتهاد في الاستنباط والتفصيل والتكييف.

والاجتهاد في الشريعة الإسلامية باب مفتوح لكل الرجال والنساء جميعًا، ولم يقل أحد: إن من شروط الاجتهاد -التي فصل فيها الأصوليون - الذكورة وأن المرأة ممنوعة من الاجتهاد.

وقد كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من مجتهدات الصحابة ومن المفتيات بينهن، ولها مناقشات واستدراكات على علماء الصحابة، جمعت في كتب معروفة . (مثل كتاب الإمام الزركشي "الإجابة لاستدراكات عائشة عن الصحابة " ولخصه السيوطي في كتابه "عين الإصابة").

صحيح أنه لم ينتشر الاجتهاد بين النساء في تاريخنا انتشاره بين الرجال، وذلك راجع إلى عدم انتشار التعليم بين النساء، لظروف تلك العصور وأوضاعها، على خلاف ما عليه الحال اليوم ؛ فقد أصبح عدد المتعلمات من النساء مساويًا أو مقاربًا لعدد المتعلمين من الرجال، وفيهن من النوابغ ما قد يفوق بعض الرجال . والنبوغ ليس صفة للذكور، فرب امرأة أوتيت من المواهب ما يعز على بعض الرجال الحصول عليه.

وقد حكى لنا القرآن قصة ملكة سبأ، وما أوتيت من سداد الرأي والحكمة، في موقفها من سليمان عليه السلام، منذ تلقت رسالة من الهدهد، وكيف استشفت من رسالته الموجزة الجدية والالتزام، وكيف جمعت الملأ من أشراف قومها، على طريقتها في الحكم:

 (ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون) وكيف فوض الرجال الأشداء الأمر إليها مختارين، لتتصرف فيه بحكمتها:

    ( قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين)  ( النمل: 33).

وكيف تصرفت بعد ذلك بمنتهى الذكاء والأناة، مع نبي الله سليمان، وحتى انتهى أمرها إلى أن أسلمت :  (مع سليمان لله رب العالمين).

وحكاية هذه القصة في القرآن الكريم ليست عبثًا . بل يدل على أن المرأة قد يكون لها من البصيرة وحسن الرأي والتدبير، في شئون السياسة والحكم ما يعجز عنه كثير من الرجال.

ومما لا جدال فيه أن ثمة أمورًا في التشريع تتعلق بالمرأة نفسها، وبالأسرة وعلاقاتها ينبغي أن يؤخذ رأي المرأة فيها، وألا تكون غائبة عنها، ولعلها تكون أنفذ بصرًا في بعض الأحوال من الرجال.

والمرأة التي رد ت على عمر رضي الله عنه في المسجد، كان ردها متصلاً بأمر تشريعي يتعلق بالأسرة، وهو تحديد المهور بحد أقصى، وكانت مناقشة المرأة سببًا في عدول عمر عن إصدار قانونه لتحديد الصداق.

وهناك قوانين أو قرارات أصدرها عمر رضي الله عنه كان للمرأة يد في إصدارها مثل قانون عدم تغييب الزوج في الجيش عن زوجته أكثر من ستة أشهر . فقد سأل ابنته حفصة: ما أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها ؟فقالت أربعة أشهر أو ستة أشهر.

وكان قد أفزعه شعر المرأة التي أرقتها الوحدة، وأقلقتها الوحشة، فأنشدت وهي نائمة على سريرها:

تطاول هذا الليل وأسود جانبه .

وأرقني أن لا حبيب ألاعبه.

فوالله لولا الله تخشى عواقبه .

لحرك من هذا السرير جوانبه.

وكذلك قانونه الذي فرض به عطاء لكل مولود في الإسلام، بعد أن كان لا يفرض إلا لمن فطمته أمه . كانت الأمهات يعجلن بفطام أطفالهن قبل الأوان، رغبة في العطاء، فلما سمع يومًا بكاء طفل متواصلاً شديدًا، وسأل أمه عن سر هذا البكاء، فقالت له وهي لا تعرفه: إن أمير المؤمنين لا يفرض العطاء إلا للفطيم . لذا فطمته مبكرًا فهو يبكي.

فقال عمر: ويح عمر، كم قتل من أطفال المسلمين . وأعلن بعدها تعميم العطاء لكل مولود.

على أننا حين نقول بجواز دخول المرأة في مجلس الشعب لا يعني ذلك أن تختلط بالرجال الأجانب عنها، بلا حدود ولا قيود، أو يكون ذلك على حساب زوجها وبيتها وأولادها، أو يخرجها ذلك عن أدب الاحتشام في اللباس والمشي والحركة والكلام، بل كل ذلك يجب أن يراعى بلا ريب ولا نزاع من أحد.

وهذا مطلوب من المرأة في مجلس الش4- مناقشة فتوى بتحريم الحقوق السياسية على المرأة:

بعد كتابة الصفحات السابقة حول ترشيح المرأة للمجالس النيابية، أطلعني بعض الفضلاء على فتوى قديمة لبعض علماء الأزهر، انتهت إلى تحريم الحقوق السياسية كلها على المرأة، وأولها حق الانتخاب، والشهادة لمرشح بقول (نعم) أو (لا)، ومن باب أولى منعها عن الترشيح للمجالس النيابية، ما دامت قد منعت من مجرد التصويت.

أ- موقف نساء النبي وتطلعهن إلى الزينة:

ومما استندت إليه فتوى هؤلاء المانعين للمرأة من مزاولة الحقوق السياسية قولهم:

إن المرأة بمقتضى الخلق والتكوين مطبوعة على غرائز تناسب المهمة التي خلقت لأجلها، وهي مهمة الأمومة وحضانة النشء وتربيته، وهذه قد جعلتها ذات تأثر خاص بدواعي العاطفة.

ولا تعوزنا الأمثلة الواقعية التي تدل على أن شدة الانفعال والميل مع العاطفة من خصائص المرأة في جميع أطوارها وعصورها.

فقد دفعت هذه الغرائز المرأة في أسمى بيئة نسوية إلى تغليب العاطفة على مقتضى العقل والحكمة.

وآيات من سورة الأحزاب: تشير إلى ما كان من نساء النبي وتطلعهن إلى زينة الدنيا ومتعتها، ومطالبتهن الرسول أن يغدق عليهن مما آتاه الله من الغنائم حتى يعشن كما تعيش زوجات الملوك ورؤساء الأمم.

لكن القرآن قد ردهن إلى مقتضى العقل والحكمة في ذلك:

(يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن     وأسرحكن سراحًا جميلاً .و إن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا). (الأحزاب: 29).

وآية أخرى من سورة التحريم: تتحدث عن غيرة بعض نسائه عليه الصلاة والسلام وما كان لها من الأثر في تغليبهن العاطفة على العقل، مما جعلهن يدبرن ما يتظاهرن به على الرسول وقد ردهن القرآن إلى الجادة:

(إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير). (التحريم: 4).

هذه هي المرأة في أسمى البيئات النسوية لم تسلم من التأثر الشديد بدواعي العاطفة، ولم تنهض قوتها المعنوية على مغالبة نوازع الغيرة مع كمال إيمانها ونشأتها في بيت النبوة والوحي، فكيف بامرأة غيرها لم تؤمن إيمانها ولم تنشأ نشأتها وليس لها ما تطمع به أن تبلغ شأنها أو تقارب منزلتها.

هذا ما ذكره من ذكره في شأن نساء النبي.

ولكن فاته أن يذكر أنهن -حين خيرن -اخترن جميعًا الله ورسوله والدار الآخرة.

على أن تطلعهن إلى الزينة ومتاع الحياة كسائر النساء وبخاصة نساء العظماء، لا يدل على قصور عقولهن، ولا على عدم صلاحيتهن للتفكير في الأمور العامة، بل هو تطلع بحكم الفطرة البشرية، والطبيعة النسوية، سرعان ما تقشعت سحابته عندما نزلت آية التخيير.

وهل برئ الرجال تمامًا من مثل هذه المواقف التي يركنون فيها فترة إلى الدنيا، ثم تدركهم الصحوة، حينما ينبههم الوحي إلى خطئهم أو غفلتهم

ألم يقل القرآن في شأن الصحابة مخاطبًا الرسول الكريم:

(وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائمًا قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين). (الجمعة: 11).

ألم ينزل الله تعالى عقب غزوة أحد آيات يعاتب فيها أصحاب رسوله - أفضل أجيال البشر- على ما بدر منهم من عصيان أمره، وترك مواقعهم والنزول لجمع الغنائم ...مما كان من عواقبه ما كان ؟ يقول عز وجل:

(ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة). (آل عمران: 152).

قال ابن مسعود: (ما كنت أعلم أن فينا من يريد الدنيا، حتى نزلت هذه الآية).

هل يمكن أن يؤخذ من مثل هذه المواقف التي يضعف فيها بعض الرجال الأخيار وتغلب فيها أهواؤهم عقولهم: أن الرجال لا يصلحون للمهمات الكبار ؟.

وفي غزوة بدر يسجل القرآن على بعض المؤمنين مثل هذه المواقف قبل المعركة وبعدها، يقول تعالى:

(كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون .يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون . وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ..).

وبعد المعركة يقول في شأن موقفهم من الأسرى:

(تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم). (الأنفال: 67،68).

إن الضعف البشري يعتري الرجال والنساء جميعًا والعبرة بالعاقبة.

ولماذا لا يذكر هنا مشورة أم سلمة للنبي في يوم الحديبية، وقد كان من ورائها الخير والمصلحة ؟.

بل لماذا لم يذكر ما ذكره القرآن عن امرأة حكمت قومها بالعقل، وساستهم بالحكمة وقادتهم في أحرج المواقف إلى ما فيه خيرهم في الحياة الدنيا والآخرة ؟ ألا وهي ملكة سبأ، التي لخصت لقومها ما يصنعه الفاتحون المستعمرون إذا دخلوا بلدًا بعبارة في غاية الوجازة والبلاغة:

(قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة). (النمل: 34). والمرأة في مجلس الجامعة، والمرأة في مجلس الكلية، والمرأة في عملها خارج البيت أيًا كان هذا العمل . ومن المطلوب في دولة تراعي آداب الإسلام أن يكون للنساء موقعهن الخاص في المجلس: صفوف خاصة، أو ركن خاص لهن، أو نحو ذلك، مما يوفر لهن جوا من الطمأنينة والبعد عن أي فتنة يخافها المتوجسون.

ب- العوارض الطبيعية للمرأة:

ويستند المانعون للنساء من الترشيح بأن المرأة تعرض لها عوارض طبيعية من الدورة الشهرية وآلامها، والحمل وأوجاعه، والولادة وأسقامها، والإرضاع ومتاعبه، والأمومة وأعبائها ...كل هذا مما يجعلها غير قادرة بدنيًا ولا نفسيًا ولا فكريًا، على تحمل تبعة العضوية في مجلس يسن القوانين، ويراقب الحكومة.

ونقول: إن هذا صحيح، وليست كل امرأة صالحة للقيام بعبء النيابة، فالمرأة المشغولة بالأمومة ومتطلباتها لن تزج بنفسها في معترك الترشيح لهذه المهام، ولو فعلت لكان على الرجال والنساء أن يقولوا لها: لا، أطفالك أولى بك.

ولكن المرأة التي لم ترزق الأطفال وعندها فضل قوة ووقت وعلم وذكاء، والمرأة التي بلغت الخمسين أو قاربت، ولم تعد تعرض لها العوارض الطبيعية المذكورة، وتزوج أبناؤها وبناتها، وبلغت من نضج السن والتجربة ما بلغت، وعندها من الفراغ ما يمكن أن تشغله في عمل عام . ما الذي يمنع من انتخاب مثلها في مجلس نيابي، إذا توفرت فيها الشروط الأخرى، التي يجب أن تتوفر في كل مرشح، رجلاً كان أو امرأة

جـ- آية: (وقرن في بيوتكن):

وقد استدلت الفتوى على منع المرأة من الترشيح للانتخاب بقوله تعالى:

(وقرن في بيوتكن). (الأحزاب: 33). وقد ناقشنا ذلك من قبل ونزيده بيانًا، فنقول:

من المعلوم الذي لا ينازع فيه أحد أن الآية خطاب لنساء النبي، كما يدل على ذلك السياق، ونساء النبي لهن أحكام خاصة من حيث مضاعفة العذاب لمن تأتي بفاحشة مبينة، ومضاعفة الأجر لمن تعمل صالحًا، وتحريم نكاحهن بعد رسول الله .وقد قال القرآن في نفس السياق:

(يا نساء النبي لستن كأحد من النساء). (الأحزاب: 32).

ولهذا أجاز المسلمون من غير نكير للمرأة في عصرنا أن تخرج من بيتها للتعلم في المدرسة، ثم الجامعة، وأن تذهب إلى السوق، وأن تعمل خارج بيتها معلمة وطبيبة وممرضة، وغير ذلك من الأعمال المشروعة، في إطار الشروط والضوابط الشرعية.

.على أن الآية الكريمة:

(وقرن في بيوتكن) لم تمنع أم المؤمنين، أفقه نساء الأمة، عائشة رضي الله عنها، أن تخرج من بيتها، بل من المدينة المنورة، وأن تسافر إلى البصرة على رأس جيش فيه الكثير من الصحابة، وفيهم اثنان من العشرة المبشرين بالجنة، ومن الستة المرشحين للخلافة، أصحاب الشورى: طلحة والزبير، تطالب بما تعتقد أنه حق وصواب، من المبادرة بالقصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه.

وما يقال من أنها ندمت على هذا الخروج، فهذا ليس لأن خروجها كان غير مشروع، بل لأن رأيها في السياسة كان خطأ .وهذا أمر أخر.

على أن بعضهم اتخذ من آية:

وقرن في بيوتكن) حجة عامة على أن المرأة لا يجوز لها أن تخرج من ( بيتها إلا  ) لضرورة أو حاجة تنزل منزلة الضرورة، حتى التعليم في المدرسة والجامعة توقفوا فيه . ولا عجب أن حرموا عليها أن تشترك في الانتخابات بالتصويت، بأن تقول: (نعم) أو (لا).

وبهذا يعطل نصف الأمة عن الشهادة في هذا الجانب المهم . وإن شئت التعبير عن الواقع، قلت: تعطل الصالحات من النساء عن أداء هذه الشهادة، على حين تذهب الأخريات لإعطاء أصواتهن للعلمانيين والمعادين لشريعة الإسلام.

وقد نسي هؤلاء أن بقية الآية الكريمة تدل بمفهومها على شرعية الخروج للمرأة من بيتها إذا التزمت الحشمة والأدب ولم تتبرج تبرج الجاهلية الأولى، فالنهي عن التبرج يفيد أن ذلك خارج البيت، فالمرأة لا حرج عليها أن تتزين وتتبرج، فالتبرج المنهي عنه إذن لا يكون إلا خارج البيت.

د- حديث: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة):

ومما استندت إليه الفتوى المذكورة في منع المرأة أن تكون ناخبة أو عضوا في مجلس نيابي الحديث الذي رواه البخاري وغيره عن أبي بكرة أن النبي حين بلغه أن الفرس ولوا على ملكهم بنت كسرى بعد موته، قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) ولنا مع هذا الاستدلال

 وقفات:

الأولى: هل يؤخذ الحديث على عمومه أو يوقف به عند سبب وروده ؟.

على معنى أنه أراد أن يخبر عن عدم فلاح الفرس، الذين فرض عليهم نظام الحكم الوراثي أن تحكمهم بنت الإمبراطور، وإن كان في الأمة من هو أكفأ منها وأفضل ألف مرة ؟.

صحيح أن أغلب الأصوليين قالوا: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولكن هذا غير مجمع عليه، وقد ورد عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما ضرورة رعاية أسباب النزول، وإلا حدث التخبط في الفهم، ووقع سوء التفسير، كما تورط في ذلك الحرورية من الخوارج وأمثالهم، الذين أخذوا الآيات التي نزلت في المشركين فعمموها على المؤمنين. (للشاطبي بحث مفيد في ذلك في كلامه عن (القرآن) في (الموافقات): انظر: كتابنا: (كيف نتعامل مع القرآن العظيم؟!).

فدل هذا على أن سبب نزول الآية ومن باب أولى سبب ورود الحديث، يجب أن يرجع إليه في فهم النص، ولا يؤخذ بعموم اللفظ قاعدة مسلمة.

ويؤكد هذا هنا في الحديث خاصة: أنه - لو أخذ على عمومه -لعارض ظاهر القرآن، فقد قص علينا القرآن قصة امرأة قادت قومها أفضل ما تكون القيادة، وحكمتهم أعدل ما يكون الحكم، وتصرفت بحكمة ورشد أحسن ما يكون التصرف، ونجوا بحسن رأيها من التورط في معركة خاسرة، يهلك فيها الرجال، وتذهب الأموال، ولا يجنون من ورائها شيئًا . وكان حكمها يقوم على الشورى.

  ( ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون) ومع هذا فوضوا إليها الأمر.

 ( قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد، والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين). (النمل: 33).

تلك هي بلقيس ملكة سبأ التي ذكر الله قصتها في سورة النمل مع نبي الله سليمان، وانتهى بها المطاف إلى أن قالت:

 ( رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين).

فقادت قومها إلى خيري الدنيا والآخرة.

كما يؤكد صرف الحديث عن العموم: الواقع الذي نشهده، وهو أن كثيرًا من النساء قد كن لأوطانهن خيرًا من كثير من الرجال.

وإن بعض هؤلاء النساء لهو أرجح في ميزان الكفاية والمقدرة السياسية والإدارية من كثير من حكام العرب والمسلمين "الذكور" ولا أقول "الرجال ".

الثانية: أن علماء الأمة قد اتفقوا على منع المرأة من الولاية الكبرى أو الإمامة العظمى، وهي التي ورد في شأنها الحديث، ودل عليها سبب وروده، كما دل عليها لفظه (ولوا أمرهم) وفي رواية (تملكهم امرأة) فهذا إنما ينطبق على المرأة إذا أصبحت خليفة لعموم المسلمين . وهو ما لا يوجد اليوم، بعد أن هُدمت قلعة الخلافة على يد أتاتورك سنة 1924م.

وقد يرى بعض العلماء أن يقيس على ذلك ما إذا أصبحت ملكة أو رئيسة دولة ذات إرادة نافذة في قومها، لا يرد لها حكم، ولا يبرم دونها أمر، وبذلك يكونون قد ولوها أمرهم حقيقة، أي أن أمرهم العام قد اصبح بيدها وتحت تصرفها، ورهن إشارتها.

وقد يخالفهم آخرون بأن رئاسة (الدولة القطرية) في عصرنا: أشبه ما تكون بولاية الولاة قديمًا على أحد الأقاليم كما كان الولاة على مصر والشام والحجاز واليمن وغيرها.

أما ما عدا الإمامة والخلافة وما في معناهما من رئاسة الدولة -فهو مما اختلف فيه وهو يتسع للاجتهاد والنظر.

فيمكن بهذا أن تكون وزيرة، ويمكن أن تكون قاضية، ويمكن أن تكون محتسبة احتسابًا عامًّا.

وقد ولى عمر بن الخطاب الشفاء بنت عبد الله العدوية على السوق تحتسب وتراقب، وهو ضرب من الولاية العامة.

وينبغي الأخذ بالتدرج في هذا، وفق ظروف المجتمع ودرجة نموه وتطوره، فتعطى المرأة ما يناسبها من الوزارات، وتقضي في مجال الأسرة أولاً، ثم في الأمور المدنية . وهكذا.

الثالثة: أن المجتمع المعاصر في ظل النظم الديمقراطية حين يولي المرأة منصبًا عامًّا كالوزارة أو الإدارة أو النيابة، أو نحو ذلك، فلا يعني هذا أنه ولاها أمره بالفعل، وقلدها المسئولية عنه كاملة.

فالواقع المشاهد أن المسئولية جماعية والولاية مشتركة، تقوم بأعبائها مجموعة من المؤسسات والأجهزة، والمرأة إنما تحمل جزءًا منها مع من يحملها.

وبهذا نعلم أن حكومة تاتشر في بريطانيا، أو إنديرا في الهند، أو جولدا مائير في فلسطين المحتلة، ليس هو -عند التحقيق والتأمل - حكم امرأة في شعب، بل هو حكم المؤسسات والأنظمة المحكمة وإن كان فوق القمة امرأة. إن الذي يحكم هو مجلس الوزراء بصفته الجماعية وليست رئيسة مجلس الوزراء . (ومثل ذلك: مجلس الشورى أو مجلس النواب، ونحوهما).

فليست هي الحاكمة المطلقة التي لا يعصى لها أمر، ولا يرفض لها طلب، فهي إنما تترأس حزبًا يعارضه غيره، وقد تجري هي انتخابات فتسقط فيها بجدارة، كما حدث لإنديرا في الهند، وهي في حزبها لا تملك إلا صوتها، فإذا عارضتها الأغلبية غدا رأيها كرأي أي إنسان في عرض الطريق

أول إسلامية للبرلمان المصري

تباينت ردود الأفعال في مصر على الخطوة التي أعلنتها السيدة جيهان الحلفاوي بترشيح نفسها لعضوية مجلس الشعب عن محافظة الإسكندرية في أكتوبر القادم، كأول سيدة تنتمي إلى الحركة الإسلامية تسعي لخوض الانتخابات البرلمانية المصرية، وذلك بدعم من جماعة الإخوان المسلمين.

فقد أكد الدكتور يوسف القرضاوي أن هذه الخطوة جاءت متأخرة، وكان ينبغي أن تُتخذ منذ سنوات، خاصة وأن الحركة الإسلامية سبّاقة – كما قال- في المبادرة في كافة المجالات، ونفى القرضاوي -في ندوة بالإسكندرية لتأييد المرشحة- أن يكون ترشيح السيدة الحلفاوي مناقضًا لتعاليم الإسلام ومبادئه، وشكر المرشحة على شجاعتها في تنفيذ هذه الخطوة الهامة.

وبالمقابل.. أعرب عدد من المنتمين للتيار السلفي في محافظة الإسكندرية -مقر المرشحة للانتخابات- عن اعتراضهم على ترشيح الإخوان للسيدة جيهان الحلفاوي، وذكروا أن ذلك يعد من قبيل التنازلات التي يقدمها الإسلاميون في مواجهة الهجمات العلمانية بفعل الضغوط المتكررة. وأكدوا أن عملية الترشيح لا تنسجم مع مبادئ الإسلام، وأنها مجرد تسليم لتيار العولمة بدلاً من مقاومته.

وعلى صعيد آخر.. يرى مراقبون مصريون أن ترشيح سيدة على قوائم التيار الإسلامي المصري قد يحمل في ذات الوقت رسالة للحكومة المصرية بأن الأخوان ينوون ترشيح زوجات المعتقلين أو المسجونين السابقين الذين أصبحوا -بحكم القانون- معدومي الحق في الترشيح، في حالة استمرار التضييق عليهم لنزول الانتخابات كنوع من المناورة بأوراق سياسية متعددة.

المعروف أن السيدة جيهان الحلفاوي هي زوجة الطبيب إبراهيم الزعفراني -أمين عام مساعد نقابة الأطباء في الإسكندرية-، وقد حُكم عليه بالسجن 3 سنوات ضمن المحاكمات العسكرية لأنصار جماعة الإخوان المسلمين عام 1995.

وقد نفت السيدة جيهان الحلفاوي من ناحيتها أنها رشحت نفسها كرد فعل للضغوط العلمانية أو الأمية السياسية، وأكدت أنها فعلت ذلك انسجامًا مع مبادئ الإسلام التي تدفع إلى مشاركة أبناء المجتمع في العمل العام