Make your own free website on Tripod.com

   الشاهد للدراسات السياسية والاستراتيجية        

   
     

مصر بحاجة إلي قرار جريء بالغاء معاهدة كامب ديفيد

(من أجل انهاء التناقض المفتعل بين الأمن المصري والأمن العربي)
محمد عبدالحكم دياب

فتح حديث الكاتب المعروف محمد حسنين هيكل الباب أمام المواطن العربي ليكتشف مدي التناقض المفتعل بين الأمن الوطني المصري، وبين الأمن القومي العربي، وكان دخول الرئيس حسني مبارك طرفا في الرد علي هيكل، وراء محاولة استطلاع رأي جرت مع عدد من المهتمين بالشأن السياسي العربي، من عرب مصريين وغير مصريين، ومن أصدقاء بريطانيين تابعوا موقف الرئيس حسني مبارك مما ذكره الكاتب الكبير، عن احتمال قيام مصر بمهام أمنية في الأراضي الفلسطينية ، ووجود وثائق سرية لمعاهدة كامب ديفيد تلزم بذلك، وبجانب أن هؤلاء شدهم وصف الرئيس لما بدر من هيكل بأنه عادة من يريدون التشويش في حديثه مع ابراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام، كبري الصحف المصرية والعربية، فان ما استوقفهم كان قيام الرئيس بنفسه بأداء مهمة الرد علي هيكل، وهي مهمة كان من المفترض أن تترك للكتاب والصحافيين، أو يكفي فيها صدور بيان صحافي، فهيكل ليس صاحب موقع رسمي في الدولة المصرية، ولا في أي دولة أخري، ليتم الرد عليه بهذه الطريقة.


المهم أن الانطباعة العامة، رجحت وجود قلق بالغ ينتاب الأوساط الرسمية علي أعلي مستوياتها، صحيح أن هيكل كاتب من الوزن الثقيل، لكنه ليس ناطقا باسم أحد، ولا يعمل لحساب جهة ما، ورأيه يخضع لاحتمالات الصواب والخطأ، ويعتمد علي حجم ما يتاح أمامه من وثائق ومعلومات، وما يتاح له لا يقاس بما يتاح لغيره، ورد الدولة علي لسان أعلي مرجعيتها التنفيذية والسياسية، يحمل دلالات ومعاني كبيرة.
منها ما يمكن أن ينشأ من سوء فهم، ناجم عن غياب الفروق بين ما هو حكومي وما هو أهلي ، بعد هذه السنوات الطويلة من العمل الرسمي، وإن كان هذا واضحا في مستويات أدني من هذه المرجعية حديثة، حول الأمن الوطني أو القومي، فمثل هذا الفصل التعسفي من الصعب تطبيقه علي أرض الواقع. خاصة في المنطقة العربية، التي تواجه خطرا واحدا، جاء متلازما مع وعي العرب بوجودهم ودورهم الهام في هذه البقعة من العالم، وبما يشكلون من نسيج من العلاقات المتشابكة والمتداخلة في ظروف جغرافية وسياسية، شديدة الخصوصية والتعقيد، هذا بجانب القناعة الراسخة لديهم بقدرتهم علي لعب دور حضاري مغيب بفعل غياب الارادة، والقبول بالتبعية، وهذه ظروف تجعلهم محل أطماع متجددة، بتجدد مصالح الامبراطوريات والغزاة، الأسيويين أو الأوربيين وأخيرا قانونه الخاص، ويتعمد خلط الأدوار والأوراق والمهام.
أجمعت الآراء علي أن رد الرئيس جاء في صالح ما قاله هيكل مئة في المئة، ولو لم يكن ما جاء علي لسان هيكل شديد الأهمية ما تجشم رئيس الجمهورية القيام بمهمة موظف بدرجة مدير عام أو وكيل وزارة في الرئاسة أو في وزارة الاعلام أو وزارة الخارجية، مما أضفي مصداقية أكبر إلي ما ذكر، زادت من اهتمام الناس به!!.


والاستطلاع الذي كان يهدف معالجة التناقض (المفتعل) بين متطلبات الأمن الوطني المصري، واحتياجات الأمن القومي العربي، كشف أن التناقض القائم ليس له أساس متين في النظريات الحديثة، حول الأمن الوطني أو القومي، فمثل هذا الفصل التعسفي من الصعب تطبيقه علي أرض الواقع. خاصة في المنطقة العربية، التي تواجه خطرا واحدا، جاء متلازما مع وعي العرب بوجودهم ودورهم الهام في هذه البقعة من العالم، وبما يشكلون من نسيج من العلاقات المتشابكة والمتداخلة في ظروف جغرافية وسياسية، شديدة الخصوصية والتعقيد، هذا بجانب القناعة الراسخة لديهم بقدرتهم علي لعب دور حضاري مغيب بفعل غياب الارادة، والقبول بالتبعية، وهذه ظروف تجعلهم محل أطماع متجددة، بتجدد مصالح الامبراطوريات والغزاة، الآسيويين أو الأوروبيين وأخيرا الأمريكان.


وفي البحث عن السبب الرئيسي وراء هذا التناقض، وجد أنه يعود إلي الوقوع في أسر الرؤي الانعزالية، التي تعتبر السلامة في الانكفاء والقوقعة، في عالم منفتح ومتعدد المصالح، وأن وقوف مصر منفردة، لا شأن لها بأشقائها، أو جيرانها، أو أصدقائها، أو مصالحها، يجنبها الخطر. بهذا حوصرت مصر ماديا ونفسيا، فتمكن منها الطامعون والأعداء، لأنهم يوقنون أن سقوطها مؤد إلي سقوط الغير من حولها تباعا لا محالة، وهو ما حدث بالفعل بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد.


أدخلت كامب ديفيد المنطقة العربية إلي طور، كان مسبوقا بتمهيد قام علي ركيزتين: الأولي هي أن حرب 1973 هي آخر الحروب، والركيزة الثانية هي أن 99% من أوراق اللعب بيد الولايات المتحدة، وهذا ورد نصا علي لسان السادات، وفور اطمئنان الولايات المتحدة إلي هذا التبدل في الدور المصري المحوري أعطت الضوء الأخضر للقوات الصهيونية فغزت لبنان، ودمرت المفاعل النووي العراقي، وبينما تقف مصر الرسمية متفرجة، تبعها عرب آخرون، إما بالانسحاب أو بالعجز أو التواطؤ، وقف اللبنانيون والفلسطينيون والسوريون وحدهم، يواجهون مصيرهم. حوصر الفلسطينيون واخرجوا من بيروت ثم ذبحوا في صبرا وشاتيلا. صورة كشفت معدن القرار السياسي المصري وطبيعته.


كان المشهد يزدحم بحرب عبثية عراقية ايرانية، مع الاغارة علي تونس، ثم غزو الكويت وتدمير العراق، ولأن هناك حكما بالاعدام علي هذه الأمة، صدر باجماع أعدائها، جاء الانكفاء الرسمي المصري ميسرا لتنفيذ هذا الحكم، وممكنا الآخرين من إيجاد معاذير تبرر انكفاءهم، فيسر علي العدو مهمته. لم يكن كل هذا من صنع العدو، بل صنعته أنانية وضيق أفق وتواطؤ، سري في المنطقة سريان النار في الهشيم.
والنتيجة التي يمكن أن نخرج بها هي أن مقتل أي مسؤول غير قادر علي معرفة حدود أمن بلاده الوطني، أو أمن أمته القومي، هو في أنانيته أو ضيق أفقه أو تواطئه، أو في كل هذا مجتمعا، فالأمن الوطني والقومي يهدف إلي حماية الأوطان والدفاع عنها ضد العدوان الخارجي. فيه ما هو وقائي، وفيه ما هو علاجي، فالوقائي ينظر إلي مصادر الخطر المحيطة، ويواجهها ويعمل علي التخفيف من حدتها، ويبني روادع تجعل العدو يفكر ألف مرة قبل الاقدام علي شيء، أما الشق العلاجي، فيتمثل في ممارسة حق الدفاع عن النفس في حالة وقوع العدوان المباشر أو الغزو.


والسياسة الرسمية المصرية التي تفضل الانكفاء والعزلة التزاما بمعاهدة كامب ديفيد، تجد السياسة الصهيونية تفعل العكس، وتوظف نفس المعاهدة فتطلق يدها تدميرا وتقتيلا في العرب. كل في وقته المناسب، وتري أن أمنها يمتد من باكستان شرقا، حتي المغرب العربي غربا. وكل هذا يتم دون ا كتراث بالترسانة النووية الصهيونية وخطرها، وما زال صدي التصريحات الصهيونية بضرب السد العالي يرن في أذن المسؤولين في القاهرة.


وإذا كانت معاهدة كامب ديفيد قد خلقت مثل هذا التناقض بين الأمن الوطني المصري والأمن القومي العربي، فإن هناك أسبابا أخري قد عمقته، فمنظومة الفساد المؤثرة علي القرار السياسي وجدت مصلحتها فيه، فبصرها لا يمتد عبر حدودها المباشرة إنما يمتد في اتجاه الغرب، نحو الولايات المتحدة، ونحو الدولة الصهيونية. هذه المنظومة طرحت شعارات تغطي بها علي تطلعاتها غير المشروعة، وجاء شعارها الساذج مصريتنا حماها الله تبرر به ابتعادها عن العرب، وتحتج به طلبا لحماية الولايات المتحدة، والقبول بشروطها بإقامة حلف غير مقدس مع الدولة الصهيونية، هذا علي المستوي السياسي، وجدوا مصلحتهم في التبعية لواشنطن والتطبيع مع تل أبيب. أما علي مستوي الاقتصادي وضعوا شعارا أكثر سذاجة هو في حب مصر ، وبه تمكنوا من نهب أكثر من مئتي مليار دولار تحولت كلها إلي حسابات سرية وغير سرية في الغرب الأوربي والأمريكي.


هذه التبعية، لم تحمهم من تسلط السادة القابعين في واشنطن وتل أبيب. سقطوا من حساب الادارة الأمريكية، وأهينوا من مجرم حرب بمستوي شارون، الذي يطلبهم خدما في بلاطه، مشاركين في جرائمه، وأسقط عنهم آخر أوراق التوت، التي كانت تستر عوراتهم السياسية والوطنية والأخلاقية. وليس هناك حل لوقف هذا التردي إلا بالغاء هذه المعاهدة أو تجميدها، فمصر العظيمة في أشد الحاجة للخروج من هذه الحلقة الجهنمية المهددة لوجودها ذاته، ومبررات الالغاء موجودة وقائمة، وشعب مصر العظيم يقف متأهبا لأي نداء لتأييد من يتخذ هذا الموقف الوطني والتاريخي العظيم، فليس معقولا أن يتحمل الفلسطيني وطأة كل هذا التدمير ولا يتهاون أو يلين، ومن غير الممكن أن تكون النار الصهيونية علي هذه المسافة منا، ولا يفعل مسؤولونا مثلما فعل أسلافنا المعاصرون.

 
مصطفي النحاس رئيس وزراء مصر، وزعيم حزب الوفد، سنة 1951، ألغي معاهدة سنة 1936، وكان هو نفس الشخص الذي وقعها، وملك شجاعة التراجع، عندما وجدها عبئا علي الكفاح المصري، الذي كان علي أشده في تلك الفترة، في شكل أعمال فدائية ضد قوات الاحتلال، وقف مخاطبا الشعب: باسم مصر وقعت معاهدة 1936 واليوم باسم مصر ألغي معاهدة 1936 . ويتكرر الموقف مع عبد الناصر بحذافيره بعدها بخمس سنوات، فيلغي معاهدة الجلاء، التي وقعها مع الحكومة البريطانية، ولم يكن حبرها قد جف بعد، وهي معاهدة كانت قد أعطت للقوات البريطانية حق العودة إلي قناة السويس خلال سبع سنوات، من توقيعها، في حال وقوع عدوان علي دولة من دول الشرق الأوسط، وفور وقوع العدوان الثلاثي، ألغاها عبد الناصر، وكان قد مضي علي توقيعها سنتين فقط.


هناك حرب يقودها شارون تدور رحاها علي حدود مصر الشرقية، ومصر في حاجة إلي تأمين حدودها ضد أطماعه وعدوانه المتوقع، وعلي صانع القرار المصري أن يري الصورة علي حقيقتها، وأنه يتعامل مع حكومة حرب، تحكم بتأييد صوت الناخب الصهيوني، وبأغلبية كاسحة في الكنيست، وأن المعاهدة أصبحت عبئاً علي الأمن الوطني المصري، ومعوقة لأي عمل جماعي عربي، حماية لأمن الدول العربية، ومصر قد استنزفت بما فيه الكفاية فيما لا يجدي، والشعب لم تعد لديه القدرة علي تحمل المزيد من ذل عصر السلام المزيف، بعد أن جرب عز الاستقلال والمقاومة.


مصر من أقصاها إلي أقصاها تنتظر لحظة تاريخية قادمة، يقف فيها زعيم مصري ـ قد يكون في رحم الغيب ـ معلنا باسم شعب مصر العظيم إلغاء هذه المعاهدة البغيضة والكريهة، ان هذا ليس حلما إنما هو مطلب مشروع نرفعه ونلح عليه.  

  موضوعات متعلقة 

 

الصفحة الرئيسية