Make your own free website on Tripod.com

   الشاهد للدراسات السياسية والاستراتيجية        

   
     

العقل العربي ليس متخلفا في ذاته :
القهر الاجتماعي .. والقمع
والميكافيلية السياسية تضع التخلف فى المقدمة 

 كتب السيد أبو داود :

واقع الثقافة في الوطن العربي يعكس حالة التردي والانحطاط التي وصلت إليها الأمة، فهي إما متخلفة أو مسلوبة أو تابعة ،ففي الوقت الذي انحسر فيه الاستعمار المباشر، بدأ يطفو على السطح نوع آخر من الاستعمار لايقل حدة وشراسة عن الاستعمار التقليدي    ، هو ما يمكن أن نحصره في التبعية الثقافية، وتكمن مخاطر التبعية الثقافية في أنها تسيطر على العقل وتحدد نمط وطرق التفكير، كما أنها تدمر الثقافة الوطنية أو القومية وما يرتبط بها من قيم وحضارة، وتخلق ثقافة فرعية تكون مصدر التنشئة السياسية والاجتماعية للصفوة المحتملة ولمعظم أولئك الذين يدخلون الاختيار السياسي .
فقد استثمرت الدول الغربية تفوقها في مجال تقنية المعلومات وثورة الاتصال من خلال وسائل الإعلام الحديثة والمتطورة، كما سخرت الكثير من الأقلام للعمل على إيجاد مجتمع عربي مشوه، إذ عملت القوى الغربية على مسخ الثقافة الوطنية من خلال تعظيم مكانة لغتها بحجة أنها لغة العلم والعمل، الأمر الذي أدى إلى إهمال تدريس اللغة العربية أو فرض تعلم الإنجليزية على النشء.

تهميش اللغة العربية كان مدخلهم

 وتتجلى آثار العولمة في تفكيك الثقافة العربية إلى ثقافات فرعية من خلال الحملة الشرسة ضد اللغة العربية، وفي تشجيع الدعوات إلى التمكين للهجات المحلية والنزعات القطرية والإقليمية الفرعية، والاعتزاز بالثقافات الإثنية، كما يتضح في دعم الغرب للأقليات العرقية الأكراد في العراق، والبربر في المغرب العربي، والانفصاليين في السودان .ومن ناحية ثانية تولدت التبعية الثقافية نتيجة لانبهار الوطنيين بثقافة الأغراب، وعلى رأسها الثقافة الغربية وما يترتب على ذلك من تحقير للثقافة الوطنية، وإثارة أزمات عديدة على رأسها أزمة الهوية والانتماء .

وللتبعية الثقافية مظاهر كانتشار المدارس الاجنبية، وفتح فروع أو مؤسسات تعليمية أجنبية، والسيطرة غير المباشرة على وسائل الإعلام فيما يسمى بالتبعية الاعلامية، إذ لا يتعدى دور أجهزة الإعلام العربية عن دور المستقبل للمادة الإعلامية والناقل لها والآخذ بالمناهج الغربية في التدريس .

ونجد المؤسسات التعليمية العربية، وعلى رأسها الجامعات،ناقلة للأسس والقواعد الإدارية والأكاديمية المعمول بها في دول الشمال، وناقلة أيضاً لذات الأساليب المتبعة في التقييم والامتحانات، وربما مساقات الدراسة، رغم خصوصية بيئة المجتمع العربي عن المجتمعات المتقدمة .

وأصبح الكثير من المعاملات اليومية في الدول العربية تتم باللغة الإنجليزية، وكأن سر تخلف هذه الأمة يكمن في لغتها. ونرى طه حسين يدعو إلى تكوين النشء في المدارس الأولية والثانوية والعالية تكوينا أوروبيا لا تشوبه شائبة. في حين أن الطلبة العرب درسوا في الجامعات الوطنية منذ تأسيسها، الفكر الغربي، ونقلت إليهم نظريات العلماء الغربيين في هذه الحقول الخطيرة على أنها مسلمات علمية. ونتيجة لذلك برزت فئات اجتماعية مختلفة تحمل أفكار متضادة وعاجزة عن التفاعل مع قضاياها الوطنية والقومية. وبرز ما يعرف اليوم بالفئة البراجماتية أو العمليون أو الواقعيون الذين يدافعون عن أهداف ومصالح وسياسات البلدان الأجنبية أكثر من المصالح القومية لبلدانهم، وهم أولئك الذين أطلق عليهم الدكتور محمد السيد سليم تسمية فئة الاندماجيين العرب .

ويرى آخرون بأن مسألة الأصالة والتغريب لا تنتمي إلى ميدان الاختيارات الأيديولوجية، ولا إلى ميدان القرار السياسي، بل تنتمي إلى ميدان آخر هو ميدان الإشكالية النظرية. ويرى الدكتور محمد عابد الجابري أن العرب لا يملكون حرية الاختيار بين الأخذ بالنموذج الغربي أو التخلي عنه، لأنه قد فرض نفسه على العرب منذ التوسع الاستعماري الأوروبي الذي سيطر بوسائله التي تمثلت في التبادل التجاري غير المتكافئ إلى التدخل في الشؤون الداخلية بذريعة الدفاع عن حقوق الأقليات أو حماية مصالح معينة، إلى الحكم المباشر والهيمنة الاقتصادية والسيطرة الثقافية والأيديولوجية .

والهدف بطبيعة الحال كان غرس النموذج الغربي في بلدان العالم العربي وربطها بالبنية الرأسمالية الأوروبية وان التفاعل بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية قد تم في الوقت الذي كانت فيه الأخيرة تملك قدرة أكبر للتأثير من نظيرتها الاسلامية، وعليه فإنه على الرغم من أن التأثير الذي حدث كان متبادلا، فان نسبة تأثر العرب فاقت نسبة تأثيرهم على الغرب، مما أدى إلى انتقال العقائد والأفكار بسرعة اكبر في قطاع مهم من المجتمع، خاصة بعد احتلال القوى الأوروبية لمعظم مناطق العالم العربي.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الغزو الثقافي الغربي قد اتسعت مجالاته منذ نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي، ليشمل مختلف مظاهر الحياة بما فيها المظهر والمأكل والملبس وغير ذلك.وقد تفاقمت أزمة التبعية الثقافية نتيجة لحقيقة أن الشعب العربي لا يقرأ، وإذا كانت القراءة دليلا على الوعي فقد تراجع استخدام ورق الصحف في العالم العربي لكل ألف فرد من 3,3كيلو جرام في عام 1985 إلى 2,7 كيلو جرام في عام1995 في الوقت الذي ارتفعت فيه في أوروبا لنفس العدد من 7,55 كيلو جرام إلى 8,22 كيلو جرام خلال نفس الفترة. وقد ظهرت آثار سلبية، مثل الاغتراب قادت بدورها إلى نزيف الأدمغة كنتيجة طبيعية للبيئة غير الملائمة التي يعيشها الإنسان العربي منذ منتصف القرن التاسع عشر.

وإذا كنا لسنا بصدد تحليل أسباب ظاهرة هجرة العلماء العرب إلى دول الشمال، فهي مسألة معقدة وتعود إلى جملة من الأسباب، بعضها خارجي يتعلق بعوامل الجذب المتمثل في الحريات التي تنعم بها تلك المجتمعات، وسيادة مبدأ تكافؤ الفرص، والاغراءات والفرص المتاحة، ونوعية الحياة.

وبعضها داخلي يتصل بعوامل الطرد التي تتعلق بالظروف الشاقة في البلدان العربية وخاصة الظروف السياسية وضيق الفرص، وبعضها ذاتي خاص بالعالم نفسه ومدى ارتباطه بأمته أو استعداده للانفصال عنها.

وتشير الدراسات إلى أن 70 في المائة من المبعوثين العرب لا يعودون إلى بلدانهم بعد الانتهاء من الدراسة . ومن المفارقات انه من بين كل خمسة باحثين عرب يوجد ثلاثة منهم خارج الوطن العربي. وتكلف هجرة العلماء العرب ميزانية الدول العربية ما يزيد على 100 مليون دولار سنويا.

ويقدر الدكتور عبد المحسن زلزلة الخسارة الناجمة عن هجرة العقول العربية بنحو 10,5 مليار دولار. وتصل نسبة الأطباء والمهندسين العرب إلى إجمالي الأطباء والمهندسين المهاجرين إلى الولايات المتحدة حوالي 50 في المائة و23في المائة على التوالي.
وفي هذا الصدد يرى سان سيمون بأنه لو قدر لوطن أن يخسر خمسين من كبار الأثرياء والتجار وخمسين آخرين من كبار الموظفين من المستوى العالمي، لما تسبب ذلك في خسارة كبيرة للوطن كما لو خسر خمسين من ألمع العلماء فيه وخمسين من كبار المبدعين وعظماء الفنانين، لشعر الوطن أن جزءاً مهما من كيانه قد فقد.

ومن ناحية ثانية فان تراجع الثقافة العربية ما هو إلا إفراز طبيعي لحالة التجزئة الفكرية التي جاءت كحصيلة لعدد من المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية. وإذا كانت التعددية الفكرية ظاهرة إيجابية تمثل اللبنة الأولى للتعددية السياسية والركيزة الأساسية للمجتمع المدني، فان ما شهده الوطن العربي لم يكن كذلك. فعوضا عن التحول نحو التعددية والديموقراطية، واحترام حقوق الإنسان في التعبير والاعتقاد والممارسة السياسية، ورثت التيارات السياسية المعاصرة في الوطن العربي، النزعة الدكتاتورية، والتناحر القبلي، وتضخم الأنا، مما قاد إلى إفراز تيارات متناحرة غير متسامحة يسعى كل منها إلى التفرد بالساحة السياسية بكافة الوسائل في إطار النظرة الميكيافيلية: الغاية تبرر الوسيلة.

هل هناك أزمة ثقافة عربية بالفعل؟

وللإجابة على ذلك لابد أن نحدد أية ثقافة عربية نعني؟ نعم هناك بغير شك الثقافة العربية التي يبدعها العرب ويتم التعبير عنها باللغة العربية، لكن داخل هذه الثقافة، تيارات واتجاهات ونزاعات ثقافية وفكرية مختلفة. فأيها هو الذي يمكن أن نطلق عليه صفة الأزمة؟ إن أي نظام سياسي لا يحكم ولا يهيمن بقوة القمع الإداري والعسكري فقط، وإنما يحكم ويهيمن بالأيديولوجيا، أي بالثقافة والفكر ولهذا فكل سلطة سائدة حاكمة، لها ثقافة سائدة، ولها أفكارها التي تسعى إلى تسييدها من خلال، وسائل الإعلام والتعليم والثقافة وفي مواجهة هذه الثقافة السلطوية، هناك تيارات ثقافية وفكرية معارضة ومختلفة تسعى هي بدورها إلى أن تسود، فأي هذه الثقافات هي الثقافة المأزومة؟ الرسمية أم ثقافة المعارضة؟ في تقديري أن الثقافة المأزومة أساسا هي الثقافة الرسمية، ذلك أنها ثقافة متناقضة مع نفسها خالية من الاتساق والمصداقية، فهناك تناقض صارخ بين ما تعبر عنه، وبين واقع الممارسات والسياسات الرسمية فهي تتحدث عن الاستقلال لتغطية تبعية وطفيلية سياسية أو اقتصادية تزداد وتتفاقم، كل يوم تتحدث عن مشروعات ومنجزات وارتفاع في مستوى المعيشة لتغطية الفساد المستشري والإفقار المتزايد والعجز عن التنمية الشاملة، تسعى إلى إشاعة ثقافة الغفلة والامتثال والخضوع والعاطفية الجوفاء، بينما تهمل أو تغفل ثقافة الوعي الموضوعي بحقائق الأشياء وواقع المجتمع وواقع العصر الذي نعيش فيه.

هذا هو توصيف الأزمة أما جوهرها فليس ثقافيا، بل هو سياسي يتمثل في طبيعة أنظمة الحكم العربية، إنها أنظمة غير مؤهلة بل وغير راغبة في حل المشكلات الأساسية التي تتمثل في التخلف والتبعية والتمزق القومي.

العقل العربي والإبداع

يقول المفكر اليساري محمود أمين العالم "إننا مؤمنون بقدرة العقل العربي على الإبداع والتقدم.. ولكن هناك أسباب لتخلفه وشروط لتقدمه وبداية فليس هناك عقل عربي ولكن هناك عقول عربية،فهناك سيد قطب وهناك حسين مروة، هذا عقل عربي، وذاك عقل عربي، والعقل العربي كأي عقل في الدنيا له قدرته على الإبداع والكفاءة والتقدم ولكن هناك ظروف معينة تجعله متخلفا، فهو ليس متخلفا في ذاته، ولكن الظروف تمنعه من التحرك، والعقل العربي يجب إبداله إلى تعبير فكر عربي لأنه من الأفضل أن يتحول العقل إلى فكر وممارسة .

وهنا تختلف الممارسات، فهناك ممارسات عقلانية وأخرى جامدة وهناك قوى معادية للقمم الفكرية تتفق جميعها مع توجهات نظام عالمي يريد أن يبسط العالم لمصلحته، ويجعله مسطحا باتجاه واحد يخدم مصالحه، وهذا السر فيما تراه من مسلسلات وأفلام وأقمار صناعية بما لها من فرض لثقافتهم من الفكرة الصغيرة للكبيرة، ومع احترامي لبعض الجهود فإن الأنظمة بشكل عام تريد الاستقرار، وتعلم تماما بأن الثقافة والفكر ضد أي استقرار، وبالتالي فهناك صراع دائم بين الأنظمة وقوى الإبداع الثقافي لطمس القوى الإبداعية.

لذا أتصور - والكلام مازال لمحمود أمين العالم -أن قدرة العقل العربي على الإنتاج والإبداع قدرة كبيرة ولكن ينبغي أن تصبح قدرة مشاعة، وليست مقصورة على بعض النخب المثقفة، ولهذا لابد من نشر وإشاعة الفكر العقلاني النقدي، نشر أو إشاعة مجتمعية شاملة. إن الفكر العقلاني النقدي هو أهم وأعظم الأسلحة لتجاوز التخلف بشرط أن يصبح في يد الجماهير، لا محصورا في أيدي وعقول قلة أو نخبة من المثقفين وهذه مهمة أساسية وملحة من مهام المثقفين العرب هذه الأيام.

وهناك من يرى أنه لا قيام لثقافة عربية إلا بالقطيعة المطلقة مع الثقافة الغربية،وفي الواقع هناك ما هو مشترك إنساني في هذه الثقافة، لا سبيل إلى تجاهله، وإلا كان معنى ذلك تجاهل التراث الإنساني كله الذي أسهم تراثنا العربي الإسلامي في تخليقه، وإلا معنى ذلك أيضا تكريس تخلفنا وبالتالي تبعيتنا، وإنما تبنى ثقافتنا وتنمو وتتطور بالاستيعاب النقدي لتراثنا العربي الإسلامي القديم، والتراث الغربي الراهن، ليس هذا فحسب وإنما بتجديد حياتنا القومية وتحديثها وتحريرها، وتوحيدها،وجعلها ديمقراطية والمشاركة الفاعلة في معارك الحضارة في عصرنا الراهن من غير تبعية أو تقليد أو استعلاء.

وهنا يأتي دور الحديث عن الرؤية الصحيحة للتراث ،والرؤية الصحيحة للتراث: أن ندركه في كماله وصراعاته وتفاوته واختلافاته وتعدده في تنوعه، ولكن لا نقبله كما هو في مظهره السطحي وتضاريسه الخارجية، لكن أن ندرس شروطه لماذا هناك المعتزلة والأشاعرة؟ لماذا الاختلافات؟ أن نسأل السؤال الذي يحدد طبيعة الأشياء المختلفة طبيعة المختلف ماهي شروط الاختلاف؟ لماذا قامت الحركة الصوفية؟ هل هي مجرد مفارقة للواقع؟ أم تحد له ورغبة في تغييره لمصلحة الإنسان. الأسئلة كثيرة، لذا يجب أن يكون لنا رؤيتنا للتراث والوقوف على الأسباب، فالثقافة التراثية ثقافة متنوعة ولا ينبغي أن نأخذها في مظهرها السطحي، وعلىً أنا ابن هذا القرن ألا أتبنى هذا التراث بطريقة مطلقة، ولا أن أرفضه ولا حتى أن أنتقي منه علي أن احترمه بكامله وبقيمته الحقيقية، وأن أتعقله في سياقه التاريخي، وكيف ظهر وانتهى في زمنه، ثم بعد ذلك أضيف إليه بحسب عصري وظروفه، وبذلك يصبح التراث قيمة متحركة، ويخرج عن إطار الجمود أو أن يكون مجرد ماض وكما أدركته إدراكا عقلانيا أدركه الغرب ايضا، وموقفي نفسه من التراث هو موقفي من الغرب، فأنا لا أقبل الغرب كما هو، لكني أقف موقفا عقلانيا نقديا" انتهى كلام العالم.

 

الثقافة والمثقفون الواقع والطموح

الحديث حول الثقافة والمثقفين، حديث جميل وصعب في آن واحد، جميل لأنه مرآة الحياة إلى الحقائق وجواهر الأشياء، وصعب لأن وظيفة الثقافة الحقة تقوم عليها حضارات وتتجذر بها عادات وممارسات تحكم سلوكيات الأمم وتحدد مصيرها بين سائر الأمم الأخرى.
فالثقافة الحقة هي التي تبقى وتظل مخالفة للواقع السيء والمتخلف، بل وتسعى لتغييره وإصلاحه نحو واقع آخر أفضل تسود فيه القيم والمناقب السامية.

وهناك نوعان رئيسيان من الثقافة :

أولاً: الثقافة السياسية أو التي تهتم بأمور الناس وقضاياهم المصيرية، وبالذات فيما يرتبط بالحريات، كحرية الرأي والتصويت أو كحرية ممارسة الطقوس المذهبية والدينية وما أشبه.
وتندرج الثقافة وفق مفهومها هذا إلى قسمين:
أ - ثقافة تدفع الناس نحو التحرك والانطلاق والسعي الجاد للتغيير والإصلاح.
ب - ثقافة تشد الناس نحو الأرض وتكرس فيهم روح التبعية والخوف والتراجع والخلود إلى الدعة والراحة.
ثانياً: الثقافة الاجتماعية، التي تتخلص في الأعراف والتقاليد التي يبني عليها المجتمع حياته بما يضمن سعادته ورفاهيته في ظل قوانين يتمسك بها الجميع من دون وصاية من أحد، وهناك أيضاً نوعان من الثقافة الاجتماعية:

أ - ثقافة تدعو وتحث باتجاه تحكيم القيم والمثل النبيلة كالتعاون والترابط والألفة.
ب - ثقافة تشد الناس نحو السلبية والتفكك والانعزال وزرع روح الهزيمة في النفوس.
ولكي تكون الثقافة الإسلامية عنصراً هاماً وبناء فعّالا‍ً لابدّ من أن تكون متكاملة بمعنى أن تكون ثقافة سياسية واجتماعية للعلاقة الجدلية التي تربطهما، وأن تدفع الناس باتجاه القيم والمناقب الرسالية السامية وتحرك فيهم روح المسؤولية والعطاء من أجل تغيير الواقع الفاسد والمتردي، وإصلاحه، فالإصلاحات الاجتماعية عادة لا تتجذر إلاّ عندما تحركها ثقافة صادقة نشطة.
وعلى ضوء ذلك فإن المثقف الذي يحمل رسالة كالمرآة التي تعكس تفاصيل الأمور بسلبياتها وإيجابياتها، ولذلك غالباً ما يحدث تعارض بين المثقف والسلطة القائمة التي تعتمد التضليل والتعتيم لوجودها غير المشروع أو الفاسد، ومن هنا تكون الأزمة.

أزمة المثقف مع السلطة

تقوم السلطة بدافع الجشع وحب السيطرة، بتكميم الأفواه، وتكسير الأقلام، وتقييد الحريات، فتتحول الأمور التي ترتبط بأوضاع الناس من سيئ إلى أسوأ، لأنها مرهونة بتحمل أبنائه من الواعين وأصحاب الكفاءات مسؤولياتهم، وهذا ليس ممكناً في ظروف القمع والإرهاب التي تتميز بها منطقتنا الإسلامية.

وأما الأزمة الثانية، فتتلخص في انعدام الحوار، على اعتبار أن إحدى أهم مسؤوليات المثقف هي قراءة واقع الأمة والمجتمع ووضع الخطط اللازمة لنقلها إلى حالات التطور والتقدم، ولا يأتي ذلك إلاّ عبر المزيد من المنتديات والحوارات والنقاشات الهادفة بين مختلف الأطراف والتيارات الواعية ومن يمثلها، حيث أن الاستبداد الفكري قرين الاستبداد السياسي، وهما معا من نتائج التخلف، ومن أسبابه معاً، فلا بد من فتح باب (الحوار الفكري) مع الثقافات الأخرى، ولكن ليس بالطريقة الديكتاتورية التي فرضت على شعوبنا (الاغتراب) الذي انتج الاستلاب الفكري والروحي والعقائدي وخلّف الدمار والعجز والتبعية.

نحن نطالب بالحوار الثقافي ـ مع الجميع وعلى أساس من الشعور بالعزة والاستقلال ـ وإلاّ فإن شعار الحوار يتحول إلى طريق ذي اتجاه واحد كما هو السائد الآن، حيث الغرب يملي، والشرق منبهر كما التلميذ في حضرة الأستاذ القدير.

ونحن مع الحوار الثقافي ـ مع الجميع، وبشرط التمسك (بالثوابت الأساسية) التي تميز شخصيتنا وثقافتنا و خصوصيتنا الحضارية.

ونحن أيضا مع الحوار الثقافي ـ مع الجميع وبشرط أن يتم في جو الحرية المتكافئة، لكي يملك العقل زمام المبادرة ويستطيع الانتقاء والاختيار، وإلا فإن الحوار سيتحول إلى مجرد شعار يُخفي تحته أبشع أنواع الخداع والتغرير.

غير أننا ينبغي أن نسعى لتأمين جوٍ من (الحرية) يمكن من خلالها إقامة حوار ثقافي مفتوح مع شتى التيارات الفكرية الداخلية قبل أن نسعى لإقامة حوار ثقافي مع الآخرين. وأقصد من (الحوار الداخلي) الحوار الإسلامي ـ الإسلامي بشتى التفريعات الفكرية وعلى طول التاريخ الإسلامي. وليست هذه دعوة لإحياء (الصراعات الفكرية القديمة) ولكنها دعوة لفتح باب (الاجتهاد) للجميع ودون شعور بالرعب من سيف التكفير (والعزل) والنفي الثقافي.

بطبيعة الحال ـ مثل هذه الدعوة تتيح المجال أمام نمو الأفكار الجديدة، كما أن الفكر الإسلامي سيغتني بشكل كبير ـ ويمتلك القدرة الفائقة على إبلاغ دعوته بصورة أفضل إلى العالم.

ولا خوف على الإسلام لأن الحق لا يخشى الباطل، ولأن الخشية الــــتي تعترينا، والخوف الذي يصيبنا، من جراء فتح كل نوافذ الشرفات الفكرية، سوف يؤدي بنا مستقبلاً إلى إصابتنا بالأمراض المعدية، من جراء تعرضنا لمدة قصيرة لمجرى الرياح، لعدم أخذنا للقاح المناعة الفكرية.
إن هذه الشبابيك المفتوحة هي اللقاح ضد الأمراض الفكرية الفتاكة التي نُكِبَ بها عالمنا العربي، وعالمنا الإسلامي ردحاً من الدهر...

غير أن ثمة مجالاً لحرية الفكر أتاحه الإسلام نفسه لكي يستطيع الإنسان أن يتحرك من خلاله بغية فهم أفضل للإسلام.. وتطبيق أفضل لأغراضه وأهدافه في الحياة، ولكن في ظل هذه الأوضاع واستشراء الخلافات وسيادة روح التنافس السلبي بسبب الأزمات السياسية أو غيرها من الأزمات التي تمر بها الأمة، أدت إلى عزل المثقفين عن بعضهم البعض والثقافة الإسلامية عن غيرها من الثقافات بإنعدام الحوار، الذي يأمل ويرجى منه كل خير، وأصبحت التوجهات في غير إطارها المطلوب، ومن بعض مظاهرها التنابز بالألقاب والنيل من الكرامات والحط من عطاءات الآخرين.

والأزمة الثالثة، هي انعكاس القضايا السياسية، بالذات ما يرتبط بأمن السلطة على الإبداعات الفكرية والثقافية، فمحاربة الإنتاجيات الثقافية والفكرية، تُبقي الأمة في حالة من التراجع و الضياع وتجعلها تتشبث بإبداعات وإنتاجيات التيارات المناوئة للإسلام.

فالكتاب أو المجلة الهادفة في ظل هذه الأجواء، لا يتدارس بحكمة ووعي بسبب الخلافات والأزمات السياسية أي كان شكلها. فالذي يصدره كاتب إسلامي من ذلك التيار لا يقرأه هذا التيار، وكــذلك الكتاب الــــذي يصدر في دولة إسلامية معينة لا يدخل إلى دولة إسلامية ثانية، وهكذا تظل الأفكار في مكانها غير المراد.

فهناك طوق مفروض لدى كل تيار على الأطروحات الفكرية والثقافية والإبداعات والإنتاجيات الخيرة التي يمتاز بها الآخرون، لتحل محلها حقيقة ثقافات القرون الوسطى المشحونة بالضغائن والأحقاد والكراهيات.
وليس من شك فإن على الواعين من أبناء الأمة الصمود أمام هذه الأزمات التي تعرقل مسار الأمة نحو نمو حريتها وسيادتها، بروح إيمانية رفيعة تسمو على كل القيم الجاهلية ولتلحق في سماء الأمة بكل خير وصفاء.

والسؤال إذاً: ما هو الواجب والدور الذي ينبغي أن يلعبه أبناء الأمة في ظل هذا التردي والتراجع الذي تعيشه الثقافة الأصلية على الساحة الإسلامية؟

والجواب على ذلك في عدة نقاط:

أولاً: فك الحصار.. إن التفكير الجاد والعمل الدؤوب لإيصال الثقافة الرسالية الأصيلة إلى الأمة، كفيل باكتشاف الطرق والأساليب الجيدة والجديدة لمواجهة التحديات القائمة التي تعترض هذا الطريق، وفي التجارب علم مستحدث وليس أسهل وسيلة لفك الحصار المفروض الذي يقيد حرية الرأي والتعامل مع الأفكار سوى اكتشاف المزيد من التكتيكات والممارسات التي من شأنها أن توصل نقاء وصفاء الفكر إلى الأمة.

ولذلك فإننا مطالبون أولا بتحدي كل العقبات والعراقيل التي تحول دون إيصال الأفكار الواعية ونشرها في الأمة، وذلك بالمزيد من الممارسات الذكية الواعية التي تكشف لنا عن الثغرات الهائلة في خطط الأعداء.

وأما بالنسبة للتيارات الإسلامية المتعددة فنحن مطالبون بإيجاد صيغ حكيمة لفتح مجالات للتعامل والتعاون بين مختلف هذه الأطراف، فالأرضية التي يقف عليها الجميع واحدة، وإن اختلفت أساليب العمل، وكما أثبتت التجارب العملية فإن الجميع على استعداد لفتح قنوات الاتصال والتفاهم والتنسيق بشأن العمل الإسلامي وما يرتبط به، وكل ما في الأمر هو فقدان عنصر المبادرة وعدم الانفتاح، ولذلك نرى ضرورة إصرار الواعين على فتح قنوات الاتصال مع كافة الأطراف والتيارات العاملة على الساحة حتى يمكن تدوير الثقافة الصالحة بحيث تنتفع الأمة من إيجابياتها العظيمة.

ثانياً: زرع البذور وثورة المعلومات : استدراكاً لواقع الأزمة التي يعيشها كل من المثقف والثقافة نؤكد أن الطوق المفروض قد يحصر فئة معينة وأشخاصاً معينين أو قد يكون يحصر نمطاً معيناً من الممارسات الثقافية وعلى أسلوب معين من العمل الثقافي، ولذلك لا ينبغي الانكفاء هنا، بل تبقى ضرورة المراهنة على خطط وأساليب جديدة، يتم الحركة من خلالها في الساحة.

ومن الخطأ التمحور حول أسلوب محدد من العمل الثقافي، أو يكون جلّ الاهتمام بنمط معين من أنماط نشر الفكر والثقافة السليمة، حقاً إننا نعيش اليوم عصر الذرة وثورة المعلومات وحري بأبناء الأمة، أن يكونوا طلائع هذه النهضة لإيصال كل الحقائق والمفاهيم السامية إلى الجماهير العريضة من أبناء الأمة الإسلامية.

فكم من بذرة أثمرت على بضعٍ من قطرات الأمطار، لم تكلف الإنسان عناء الحرث والسقاء، وكم من شتلة أحاطها مربيها بعنايته واهتمامه ذبلت ثم تلاشت إلى العدم، وهكذا هي حياة الأفكار، فلنكثر الإبداعات، ولنتحلى بروح العزم والمبادرة حتى تكون لدينا القوة والقدرة الكافية لتحريك الأحداث إلى صالح الرسالة التي نتحملها ونسعى من أجل تحقيقها.

وبذلك وبمقدار التحرك والإصرار الإيجابي يمكن الخروج من نفق الأزمة إلى رحاب الحضارة، وهو الأمل الذي يحدونا ونتطلع إليه باستمرار.

أزمة الإبداع العربي .. إلى أين ؟

الإبداع – كما يراه د. ماهر جلال عباس _ موهبة وحرية وعبقرية ، وهو مطلب حضاري جوهري لجميع الأمم . وهو ليس ترفاً بل ضرورة من ضرورات البناء ، ومقياس من مقاييس تطور الأمم ، ودليل على التقدم الحضاري . وهو الدافع لأي تقدم علمي أو فكري أو فني .

والمبدعون هم ثروة الأمة التي لا يمكن الاستغناء عنها ، وهم الشموس التي تضيء غياهب التخلـُّف ، وعقولهم تخترق حواجز التقليد ، وتبحر صَوْب المجهول . ومن ثم فبقدر ما تنجح أمة في الكشف عن الطاقات الإبداعية لأبنائها والإفادة منها ، تكون أمة متقدمة ومتطورة حضارياً .

وقد تنبه العرب قديماً إلى أهمية الإبداع ، فمنهم من ألف عن الأذكياء لما للذكاء من علاقة وطيدة بالإبداع ، مثل ابن الجوزي وكتابه ( الأذكياء ) . ومنهم من ألف عن الذين تنسب إليهم أوائل الابتكارات والممارسات ، مثل ( الأوائل ) لأبي هلال العسكري ، و ( الوسائل إلى مسامرة الأوائل ) ، وغيرها .

واهتم الحكام والعلماء العرب قديماً بالإبداع ، فظهر كثير من المبدعين العرب في شتى المجالات النظرية والتطبيقية ، أمثال الجاحظ ، والمتنبي ، وابن سينا ، وابن الهيثم ، وابن رشد ، والأئمة الأربعة أصحاب المذاهب الفقهية ، وغيرهم خَلْق كثيرون شيدوا حضارة عربية عالمية زاهرة لا نزال نعيش على ذكراها ، ونقتات بنتاجها ، ونزهو أمام الأمم بها .

لكن ما الإبداع ؟ لا شك أن الإبداع عملية معقدة يصعب تعريفها ، ولكن بشيء من التبسط يمكن استخلاص تعريفين للإبداع من الدراسات الحديثة التي دارت حوله ،

فالإبداع ابتكار الشيء على غير مثال سابق .

أو هو : إنتاج شيء ما ، على أن يكون هذا الشيء جديداً في صياغته ، وذا تأثير في مجاله ، وإن كانت عناصره موجودة من قبل .

شروط العمل الإبداعي

يتضح من التعريفين السابقين أن أي عمل إبداعي ينبغي أن يتوافر فيه شرطان اثنان ، الأول : أن يكون هذا العمل جديداً مبتكراً بعيداً عن النمطية والتقليد . وهذا لا يعني أن الإبداع ينشأ من فراغ ، فهو يمر في مراحله الأولى بالتقليد ، لكن لا يقتصر عليه ، وبمعنى آخر : إذا كان يُقْبَل من الشخص المبدع أن يقلد غيره في بداية حياته الإبداعية ، فلا يقبل منه - بحال من الأحوال - أن يظل أسيراً لهذا التقليد ، فأي تقليد ، وإن كان تقليداً ناجحاً ، لا يمكن عَدٌّه من باب الإبداع في قليل أو كثير .

والشرط الثاني : أن يحمل هذا العمل الإبداعي جديداً إلى الناس والحياة ، بحيث يُشَكِّل إضافة نوعية حقيقية للمجال الذي ينتمي إليه ، ويؤثر تأثيراً جاداً وواضحاً في البيئة المحيطة ، وإلا كان لغواً لا قيمة له . فالإبداع لابد أن يسهم في تطوير الحياة والمجتمع والناس ، ويخطِّط لمستقبل أفضل ، وهذا هو الدور الحقيقي للمبدعين في مجتمعاتهم في أي زمان ومكان.

ونؤكد في هذا المقام على شخصية المبدع ، إذ المبدع شخص من طراز خاص ، يمتاز عن غيره من البشر بصفات خاصة تجعله جديراً بأن يكون مبدعاً . وأولى هذه الصفات الإحساس المرهف ، ذلك الإحساس الذي يجعله يشعر بما لا يشعر به الآخرون من غير المبدعين ، وينتبه إلى ما لا ينتبه إليه غيره . ويتصف المبدع كذلك بالخيال الواسع ، والذكاء ، والحرية ، بالإضافة إلى ما حباه الله به من موهبة الإبداع .

فالخيال الواسع يمكِّنه من اكتشاف علاقات جديدة بين الأشياء أو العناصر لم تكن موجودة من قبل ، كما يساعده هذا الخيال النشط على تصميم نماذج جديدة ، وصياغة أطر مبتكرة ، ولا يتأتى له ذلك إلا بالذكاء والفطنة . وباختصار المبدع شخص عبقري من طراز خاص .

إن المبدع في الأصل شخص موهوب ، لكنه لابد أن ينمي موهبته ويُصقلها بالتجارب ، وهو في حاجة ماسة إلى حرية حقيقية ، لينفلت من إسار الواقع والتقليد ، ويحلق في آفاق جديدة ، وليبحر صوب المجهول ، ولذا فإن التقاليد الصارمة ، والموروثات النمطية ، والحدود المصطنعة ، والروتين ، كلها مواد سامة تصيب المبدع في مقتل ، وتقضي على إبداعه ، بعد أن تُكبِّله وتسجنه وتشل تفكيره وخياله .

والإبداع - أياً كان فكرياً أو أدبياً أو فنياً - يحتاج إلى عوامل مهيِّـئة تساعد على نموه ، فهو يتطلب تربة خصبة وصحية لتنبت فيها بذوره التي لو لم تجد رعاية وعناية خاصة ، فلن تكتب لها الحياة ، فالمبدع بحاجة إلى أجواء نفسية صحية تتناسب وصفاته الشخصية ، من رهافة الحس ، وسعة الخيال ، والذكاء ، والحرية . فلا يُعْقَل أن يحيا الإبداع في بيئة تسودها العقد النفسية ، والضجيج ، والأمراض النفسية ، ويسيطر عليها الروتين ، والمنافع الشخصية ، والمحسوبيات ، وتسودها الأحقاد .

واقع الإبداع العربي

ونظرة إلى عالمنا العربي وواقع الإبداع فيه ، تجعلنا نجزم بأن الإبداع العربي في أزمة حقيقية ، نظراً لما يعانيه المجتمع العربي في هذا العصر من مشكلات متراكمة ، وما يسوده من موروثات بائدة ومنغـِّصات قاتلة ، وما يستشري في أوصاله من أمراض تعمل كلها ضد الإبداع ، وتجرفه بلا رحمة ، لتسرع به في النهاية إلى مثواه الأخير .

إن العالم الغربي يطالعنا في كل يوم بالجديد من الاختراعات والاكتشافات والقفزات الإبداعية السريعة والمتلاحقة التي تنقطع أنفاسنا من دون اللحاق ببعضها ، وفي الجانب الآخر يبدو الإبداع العربي شاحباً وبطيئاً ومَهِيض الجناح . فهو الحاضر الغائب ، وبصراحة قلما نعثر على إبداع عربي حقيقي ، مما يجعلنا نتساءل : ما السر في هذه الحالة المتردية التي يبدو عليها الإبداع العربي ؟ هل يعود السر إلى جمود العقلية العربية أو تخلفها ؟ في الواقع لا يعود السر إلى جمود العقلية العربية أو تخلفها ، بل يعود إلى عوامل ومعوِّقات عدة في مجتمعاتنا العربية . فما يقتل الإبداع في مجتمعاتنا العربية عوامل كثيرة ، أهمها عشق التقليد ، والولوع بالعيش في عباءة الماضي ، بدعوى أن ليس في الإمكان أبدع مما كان . وكذلك التسلط والقهر ، وقولبة الآخرين - كل هذه أمور عمت بها البلوى في المجتمع العربي ، نراها داخل الأسرة العربية ، وداخل المؤسسات التعليمية العربية ، وفي مختلف الهيئات والمؤسسات العربية المختلفة وبخاصة الحكومية منها .

فالتسلط الأبوي يقتل روح الابتكار والمغامرة لدى الأطفال الموهوبين ، كما أن تنميطهم وإخضاعهم للنمط السلوكي للكبار يعيق نموهم وجدانياً وعقلياً نمواً سليماً ، ويشل تفكيرهم ، ويُكبِّل خيالهم الإبداعي ؛ لأن الإبداع خيال واستكشاف .

كما أن تدجين الطلبة وإخضاعهم لنزعة الامتثال في المؤسسات التعليمية العربية ، وقصر نشاطهم على الحفظ والتلقين فحسب - يقتل موهبتهم الإبداعية ، وخاصة في المراحل الأولى من التعليم .
أضف إلى هذا ما يلقاه الطلبة المبدعون من تجاهل وعدم مراعاة الفروق الفردية بينهم وبين غيرهم . وكل ما سبق يتم تحت شعار مقدس ، وهو غرس القيم الخُلقية ، مثل : الاحترام ، والطاعة ، والنظام ، والمساواة ، والعدالة . والنتيجة المحتومة أن يتحول الطلبة المبدعون إلى أداة راضخة ، وإلى آذان صاغية ، وتصير عقولهم مجرد أوعية لا تصلح إلا للحشو من قبل الأساتذة بما يريدون من معارف وأفكار وآراء غير قابلة - معاذ الله - لأي نقد ، فهي لا يأتيها أبداً الباطل من بين يديها ولا من خلفها .

ولا يبدو الأمر أحسن حالاً في المؤسسات والهيئات العربية الأخرى ، فمعظمها يرفع شعار التسلط والقهر من جانب المسؤولين لمرؤوسيهم ، فما يراه المسؤول هو عين الصواب ، ووحي مُنزَّل غير قابل للتعديل أو مجرد النقاش ، فالمسؤول يريد أن يرى مرؤوسوه بعينه هو، وأن يفكروا بعقله هو ، ومن تمرد أو حاد عن تعليماته قيد أنملة كانت في انتظاره العقوبات والخصومات والتهديدات بالفصل وغيره . هذا فضلاً عن تجاهل الكفاءات المبدعة في أغلب الأحوال ، وإسناد الوظائف والأعمال إلى غير أكفاء لها ، نظراً للمحسوبية والمجاملات والوساطات التي تنخر في جسد الأمة .

نحو علاج للأزمة

بعد كل هذا لا نتوقع للإبداع العربي أن ينمو نمواً طبيعياً أو أن تُكتب له الحياة أصلاً : فالمبدعون الحقيقيون قلما يهتم بهم أحد ، وكثيراً ما يُضطهدون وتوصد في وجوههم الأبواب ، ويُحارَبون من ذوي المصالح النفعية والآفاق الذهنية الضيقة ، فيدب اليأس في نفوس بعض هؤلاء المبدعين ، ويستسلمون للعاصفة ، ويُقبَر الإبداع حياً في عقولهم ووجدانهم .

وفريق ثان ينجو بإبداعه وبنفسه إلى الخارج ، ليجد ذراع الغرب مهيأة لاستقباله واحتضان إبداعه . وبين هؤلاء وأولئك فريق ثالث آثر أن يثبت أمام إعصار معوقات الإبداع العربي ، وأن يتحمل في سبيل إبداعه كل الصعوبات . فهذا الفريق قد يصل بعض مبدعيه بعد عناء وجهد جهيد وينحت لإبداعه مكاناً بين الصخور ، وكثير منهم يموتون وتموت معهم إبداعاتهم وابتكاراتهم ، بعد أن يصابوا بالإحباط واليأس ، نتيجة البيروقراطية والروتين ، وتجاهل المسؤولين لهم ، وعدم توافر الأموال اللازمة لتمويل إبداعاتهم ، وانصراف وسائل الإعلام العربي عن هذه الإبداعات ، فقد صار كثير من وسائل إعلامنا العربي حكراً على بعض المنتفعين ، فلا تكاد تعنيها الفكرة الجيدة ولا العمل الإبداعي الجاد ، بقدر ما تعنيها المصالح المتبادلة أو المنافع المادية الزائلة .

ترى : هل يُفيق المجتمع العربي من غفوته ويدرك قيمة الإبداع الحقيقي لا الإبداع المزيف الذي تصطنعه بعض وسائلنا الإعلامية العزيزة ؟ وهل سيدرك حقيقة أن الإبداع العربي في أزمة ؟ وأخيراً نتساءل : ماذا لو عاش المبدعون والمبتكرون العرب المهاجرون ، مثل الدكتور أحمد زويل ، والدكتور مجدي يعقوب وغيرهما ، في المجتمع العربي ، هل كانوا سيُبْدِعون ويخترعون أو كان سيسمع أصلاً بهم أحد ؟!!

نعم ، نؤكد على أن الإبداع العربي في أزمة حقيقية ، وهي أزمة ليست بالمرض المستعصي الذي يستحيل علاجه ، وإن كان علاجها صعباً وطويل الأمد ، يحتاج صبراً وتكاتفاً من كل مؤسسات المجتمع العربي وأنظمته المختلفة .

صحيح أن عملية الإبداع فردية تتعلق بشخصية المبدع ، لكنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمجتمعها ، فإذا لم يحتضنها بجميع فئاته ومؤسساته وأنظمته ، ويوفر لها الرعاية والعناية اللازمتين ، ويهيئ لها الظروف المناسبة والأجواء الصحية الضرورية لنمائها - ضعفت واضمحلت وانتهت .

وفي سبيل علاج هذه الأزمة لابد من وجود قيادات عربية تؤمن بأهمية الإبداع الحقيقي ، وتُجنِّد كل الإمكانات المتاحة لتفيد من جميع الطاقات الإبداعية ، وتعمل على توفير المناخ المناسب لها والصالح لنمو إبداعاتها . وقبل هذا كله العمل الدؤوب لاكتشاف هذه الطاقات الإبداعية ، والبحث عن أنسب السبل لتنميتها وتقديم الرعاية اللازمة لها ، لتصبح طاقات إبداعية خلاقة وفاعلة في مجتمعها العربي .

فمسؤولية أي أمة تسعى إلى الرقي والتقدم الحضاريين ، أن تبحث عن المبدعين من أبنائها ، لا أن تنتظرهم حتى يبحثوا هم عنها . وأي مجتمع متحضر في العالم يبدأ بالتعرف على ميول الفرد ومواهبه منذ سن الطفولة ، ليس في المدرسة فقط ، وإنما في المنزل كذلك ، وفي الروضة ، والنادي ، وإن كان العبئ الأكبر في هذا الصدد يقع على عاتق وزارات التربية والتعليم في العالم العربي .

وكما يقال ( اليد الواحدة لا تصفق ) ، فلا بد من تعاون الأسرة مع المدرسة ، فالوالدان إن لم يكن لديهما وعي بمعنى الإبداع وأهميته ، واستعداد للتعاون مع المدرسة لاكتشاف هوايات أبنائهما وميولهم ومواهبهم الإبداعية - فلن يتحقق الهدف المنشود .

ولتحقيق ذلك عملياً يمكن للمدرسة أن تخصص سجلاً خاصاً بكل طالب تدون فيه كل ما يتصل به من مواهب وميول وصفات شخصية ، وتسجل فيه كذلك علاقاته مع زملائه وأساتذته ومشكلاته .. الخ ،على أن تتابع الأسرة هذا السجل متابعة يومية دقيقة ، وتدون هي الأخرى فيه ملاحظاتها حول ما سبق ، وترصد فيه كل تغير أو تطور يطرأ على حياة الطالب ، وتساعد المدرسة على تنمية الإيجابي من هذه التطورات ومعالجة السلبي منها .

كما لابد من تعاون جميع مؤسسات المجتمع العربي في اكتشاف الطاقات الإبداعية،وتوفير المناخ الصحي لتنميتها ، وتبادل الخبرات في هذا الشأن ، فتضافر الجهود ضرورة حتمية للعناية بالمبدعين والاستفادة من أعمالهم الإبداعية ، بخاصة أننا في عصر التكتلات والعمل المؤسسي الجماعي .

ومما يساعد على اكتشاف هذه الطاقات الإبداعية وتنميتها ، نشر الثقافة الإبداعية ، سواء أكانت فكرية أم أدبية أم فنية ، وترجمة الأعمال الإبداعية العالمية من أجل الاستفادة من تجارب الأمم الأخرى . وتكون هذه الأعمال المنشورة بأسعار تتناسب مع معدلات دخل المواطن ، بحيث تصير في متناول الجميع أو معظم فئات المجتمع على الأقل .

ومما يُجدي نفعاً في هذا الصدد أيضاً عقد دورات لتدريس بعض الأعمال والفنون الإبداعية ، تشرف عليها وزارات الثقافة العربية، ويتم تبادل الاستشارات في هذا الشأن . فذلك يؤدي إلى تفتـُّق الموهبة الإبداعية الكامنة داخل عقول بعض الناشئة ووجدانهم ، إذا ما أعجبوا بأعمال إبداعية رائعة تكون بمثابة نماذج رائدة لهم ، يقتبسون منها ويطورون أنفسهم حتى يتخطوها إلى أعمال إبداعية من إبداعهم وابتكارهم الخالص .

إذن ، فالعناية بالنماذج الإبداعية الرائدة أمر ملح ، وذلك بنشرها في الصحف والمجلات وتحليلها وعرضها في وسائل الإعلام المختلفة ، كما أن الإكثار من المسابقات الدورية الإبداعية للناشئة يسهم في التعرف إلى طاقاتهم الإبداعية ، بحيث ترصد جوائز للأعمال الإبداعية الفائزة ، ما يخلق نوعاً من المنافسة الشريفة بين الناشئة ، ويحفزهم على تنمية مواهبهم وإبداعاتهم .

 

 

الصفحة الرئيسية