Make your own free website on Tripod.com

   الشاهد للدراسات السياسية والاستراتيجية        

   
     

العصيان السياسي بين النشأة والاحتواء

د.حامد عبد الماجد 
أستاذ العلوم السياسية المشارك
جامعة لندن (
SOAS )

 تقوم الحركات الاجتماعية والسياسية والدينية المطالبة بالإصلاح والتغيير في مختلف المجتمعات البشرية بممارسة العديد من الأفعال السياسية؛ وذلك لبلوغ أهدافها، وتحقيق مطالبها، وتتمحور هذه الأساليب في الوقت الحالي حول محاولة قيادة حركة الرأي العام في مجتمعاتها.. والسؤال المحوري الذي نطرحه في هذا الصدد هو: ما العلاقة بين مظاهر التعبير عن الرأي العام والمضمون أو المطالب التي تعبر عنها من ناحية، وردود أفعال السلطة السياسية الحاكمة تجاه هذه المظاهر والتعبيرات من ناحية أخري؟!

وللإجابة نتناول بالتوضيح سبعة متغيرات أساسية:

أولاً: ماهية العصيان السياسي وحق مقاومة الطغيان

العصيان هو النقيض لظاهرة الطاعة السياسية، وكلاهما تعبير عن جوهر فكرة الالتزام أو عدمه والتي تعني الرضاء والقبول الطوعي بجوانب ثلاثة متكاملة:

الأول: القبول بما تمثله هذه الأنظمة وتعبر عنه من نظام قيمي تراتبي تتربع على قمته قيمة عليا محورية كالحرية أو المساواة أو العدالة.

الثاني: القبول بأشخاص الحاكمين من حيث امتلاكهم للأهلية السياسية أو الجدارة.

الثالث: القبول بالممارسات السياسية للأنظمة من حيث إجراءاتها، وغاياتها، ومقاصدها، ومآلاتها.

ويعتبر العصيان السياسي ومقاومة الطغيان السياسي حقًّا ثابتًا للأمة ككل، وللرأي العام كحقيقة رقمية وظاهرة كمية متحركة - كما يقول أستاذنا العلامة د.حامد ربيع - والتي تمتلك الحق المطلق في رفض ومقاومة النظام السياسي في مستوياته الثلاثة السابقة وتغييره لآخر تراه محققا لذلك.

ويتخذ حق مقاومة الطغيان السياسي العديد من الصور مثل:

الإضراب العام: وقد برزت كمفهوم في الفقه السياسي، ثم تغلغلت في الحركة السياسية خلال القرن التاسع عشر قبل أن يتم إقرارها وإضفاء المشروعية القانونية عليها لاحقا.

أما الانقلاب العسكري: بأنواعه وصوره المختلفة؛ فهو تغيير غير شرعي في الأداة الحكومية؛ أي لا يأخذ بالأسلوب الذي يسمح به نص القانون الوضعي، ولا يتعدى إلي تغيير أو تجديد المثالية السياسية والنظام القيمي الذي يحكم النظام القائم.

أما ظاهرة الثورة: فهي أوضح صور ومظاهر التعبير عن حق مقاومة الطغيان، وهي رد الفعل العنيف الذي يرتبط بالعنف الجماعي؛ ليعلن عن التغيير في النظام السياسي، وهي تفترض التغيير الكلي في المفهوم الفكري الذي يسيطر على المجتمع السياسي، وهي أيضا وضع حد لتصور معين للشرعية السياسية واستقبال جديد لتصوراتها، وأيضا تغيير في الغايات التي يسعى لتحقيقها النظام السياسي.

ثانياً: ديناميات نشأة عمليات العصيان السياسي

تتطلب نشأة ومولد عمليات العصيان السياسي وتبلورها بعد ذلك في حق مقاومة الطغيان حدوث عمليات تغييرية متعددة الأبعاد تقوم على مستويين متكاملين وهما:

المستوى الأول: التغيير الذي له جوانب ثلاثة هي:

الأول: ما يحدث في إدراكات وذهنيات الناس الذين ألفوا وتعودوا من قبل على القبول بالوضع القائم.

الثاني: يبدأ النظام السياسي القائم بفقدان شرعيته ككل.

الثالث: يتولد لدى الناس "شعور جديد" بالقدرة والإرادة والفعالية- بديلاً عن الشعور بالعجز الذي كان سائداً من قبل؛ فتصبح هناك قناعة وإرادة على التغيير في بعض الأمور.

المستوي الثاني: يحدث في السلوك والفعل السياسي، ويتسم بسمتين:

الأولى: من ناحية التوجه والاتجاه الذي يتمثل في رفض الانصياع للسلطة الحاكمة، وعصيان أوامرها والخروج عليها.

والثانية: الجماعية؛ أي أن تتم العملية باعتبارها سلوكاً جماعياً وليس مجرد سلوك مجموعة من الأفراد المتفرقين المعزولين.

ثالثاً: النظريات المفسرة لنشأة عمليات العصيان السياسي

تقدم دراسات الفكر السياسي العديد من النظريات التي تسعى إلى تفسير مثل هذه العمليات؛ بداية من أرسطو الذي يرجعها إلى ظاهرة "عدم المساواة" التي يحرك واقعها المحرومون لتحقيق "العدالة"..

وإذا انتقلنا إلى مستوى النظريات الكبرى، فإننا نقسمها إلى نوعين:

النوع الأول: النظريات التي تؤكد على "طبيعة القوى الضاغطة" على جسد المجتمعات، والتي تقود إلى حدوث انفجار عمليات العصيان السياسي.

النوع الثاني: النظريات التي تؤكد على التغييرات في الأبنية التنظيمية المجتمعية والسلطوية، خاصة تلك التغيرات السريعة والحادة النابعة من عدم المقدرة على مواكبة التطورات والأحداث.

النوع الثالث: النظريات التي تؤكد على أنَّ الانقسامات التي تحدث داخل "الصفوة" السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد تؤدي إلى نشأة مختلف مظاهر العصيان السياسي؛ ففي الظروف العادية الطبيعية يكون من مصلحة هذه الصفوة الحفاظ على الأوضاع القائمة، ولكن ظروف التحولات المؤسسية والاجتماعية التي تؤثر على الصفوة بأشكال مختلفة يهدر من قوة البعض، ويرفع من قوة الآخرين؛ مما يؤدي إلى خلافات داخل الصفوة، الأمر الذي قد يقود إلى تآكل سيادتهم.

رابعاً: العوامل المحدِّدة للأشكال التي تتخذها عمليات العصيان السياسي

فالبعض قد يختار "المقاطعة "، و"الإضراب"؛ والآخر قد يختار"الاحتجاج" والتظاهر، والهبّات، والثورة الشاملة؛ وهذا الاختيار يرجع إلى عدة عوامل نذكر منها:

1 ـ طبيعة الأوضاع والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تقود إلى عمليات العصيان السياسي وتفرض مقاومة الطغيان.

2 ـ يشكل "النمط المؤسسي" طبيعة واتجاه الحركات الشعبية التي تقود العصيان السياسي أو حق مقاومة الطغيان، فالنقابات تشكل شخصية المجموع، وتعطيه تجربة مشتركة إلى حد كبير، بينما صغار التجار متفرقون؛ مما يجعل القاسم المشترك المرئي وإمكانيات التعاون أقل.. أما الطلاب في الجامعات والمدارس، فإن تجربة التجمع أكبر مما يجعل شكل التحرك أوسع، ولكنه مؤقت أو موسمي؛ لارتباطه بطبيعة عمل المؤسسة..

3 ـ تحدد "الأدوار المؤسسية" الفرص والإمكانيات المتاحة.. أما ممارسة العصيان السياسي؛ فالعمال يضربون؛ لأنهم موجودون في نفس الإطار (المصنع)، بينما العاطلون عن العمل لا يمكنهم الإضراب، ولكنهم يتظاهرون.

4 ـ تعبر المعارضة في الظروف العادية عن نفسها من خلال "صناديق الانتخاب" التي يجب أن تتم من خلالها عملية التغيير السياسي؛ ويعتبر أولى علامات "الاستياء الشعبي" هو حدوث تحولات حادة في نتائج الانتخابات المختلفة؛ كأن تتراجع بشدة قوة حركة شعبية، أو ينهزم حزب حاكم لفترة طويلة هزيمة ساحقة أو ذات دلالة، أو عندما تبدو عملية الانتخابات والتغيير عبر صناديق قليلة الجدوى.

5 ـ قد تمارس الصفوة السياسية أدوارها في استثارة العصيان السياسي الشعبي، وكذلك في تشكيل مطالبه من ناحية، ومن ناحية أخرى قد تشكل تصرفاتها دوراً في الإرضاء ومحوراً تلتقي حوله الهموم، كما أنها قد تمتص الغضب الجماهيري بالحديث عن "حقوقهم"، والتدخل أحياناً للاستجابة لبعض المطالب الجزئية..

خامساً: إستراتيجيات الأنظمة السياسية في التعامل مع العصيان السياسي

تختلف إستراتيجية الأنظمة السياسية الحاكمة في التعامل مع العصيان السياسي طبقاً للأجواء التي ينشأ فيها، وهي غالباً استثنائية؛ ينعدم فيها الاستقرار، وترتفع فيها الحساسية السياسية، وهناك ثلاث إستراتيجيات أساسية:

الأولى: التجاهل السياسي.

الثانية: استخدام القوة والعنف.

الثالثة: الاسترضاء والرشوة السياسية.

وهناك ما نطلق عليه "الإستراتيجية المزدوجة" التي تتبعها الأنظمة السياسية الحاكمة في احتواء عمليات العصيان السياسي، وهي تشمل جهود الترضية والرشاوى السياسية والمكاسب الظاهرية من جانب، ومن الجانب الآخر يتم عادة التبني الآمن لإجراءات تعسفية يتم من خلالها مضايقة القادة والقطاعات الأكثر تمرداً أو تلك التي ترفض التنازلات من خلال تحرش السلطة السياسية الحاكمة.

سادساً: احتواء واستيعاب عمليات العصيان السياسي في الأطر المؤسسية

تشير الخبرات التاريخية إلى أنَّ تحقق مفهوم "القوة" و"السيطرة" لأي نظام سياسي يكون عبر التحكم في وسائل القوة المادية والإنتاج الاقتصادي من جانب، والآلة العسكرية والأداة الأمنية من جانب آخر، وهما اللذان يتركزان مع مرور الزمن في يد الطبقة الحاكمة.

والواقع أنه تتم في الدول الرأسمالية تغطية المال والثراء كمصدر للقوة بعملية انتخابية يشارك فيها أفراد المجتمع بصورة متساوية؛ فيتم تغطية قاعدة (المال) بقاعدة (التصويت). ومن ثمَّ يتم الحد من المشاركة الفعالة، والإلزام بخيارات محدودة، وترجيح مصالح الصفوة على مصالح الجماهير… إلخ، فيكون الاستنتاج الطبيعي هو أن التزام الفئات بإطار العملية الانتخابية لن يتيح لهم ممارسة أي تأثير يذكر في المجتمع؛ وبالتالي فقد أضحى واضحًّا أنَّ العصيان السياسي ليس عملية شغب، ولكنه الخيار الوحيد أمام هؤلاء المحرومين.

سابعا: انتهاء حركات العصيان السياسي عبر الجماعات والتنظيمات

بعد أن تتأكد الصفوات والسلطات الحاكمة من درجة ومستوى فعالية المنظمات السياسية التي قامت في سياق عمليات عصيان سياسي تعبيراً عن مطالب حقيقية تسعى إلى جذبها إلى بنية الأنظمة السياسية لمعرفة آرائها، ولكي تعرض شكواها عبر القنوات الرسمية للدولة، وهذه الاستجابة الرمزية ليست للمنظمة كـ"تنظيم"، ولكن للبقية الباقية من قوى العصيان السياسي داخلها.. وهكذا فإنَّ أكثر التنظيمات التي نشأت تعبيراً عن مطالب حقيقية ومن رحم حركة شعبية تتلاشى كوجود حقيقي..

ومع ذلك تستمر هذه المنظمات كـ"هياكل" و"أبنية" فارغة رهينةً بأمرين:

الأول: تصبح ذات فائدة ومصدر وجاهة، وغالباً ما تشكل وسيلة معيشة للذين يتحكمون في مواردها من المجموعات والأفراد الذين يدعون تمثيل الجماهير.

الثاني: تصبح أكثر خضوعاً لمن تعتمد عليهم في مواردها المختلفة، ويبقى توازنها الهش رهيناً بتوازن مجموعات "الشلل" و"الزبائن" الذين تؤول أمورها إليهم.

وأخيرًا فإن الوعي المنهجي بضرورة تعلُّم الدرس من تاريخ التنظيمات السياسية الفاشلة وخبرتها، وأنَّ المكاسب الحقيقية الضئيلة التي تحققت من ورائها لم يكن بسبب كونها كذلك، وإنما من تيارات العصيان السياسي والقوى الضاغطة داخلها، ولكن ما العمل؛ فهكذا تكرر القيادات الأخطاء نفسها؛ فتسعى لتحقيق ما ليس في متناولها، وتهدر فرص تحقيق ما كان ممكناً دائما..

  

 

 

الصفحة الرئيسية