Make your own free website on Tripod.com

   الشاهد للدراسات السياسية والاستراتيجية        

   
     
 

الترتيبات الأمنيّة في المنطقة

لا أمن ما دامت الديكتاتوريّات حيّة قويّة

يضيق المرء كثيرا بالنقاش والحوار المكثف الدائر في برلمانات الغرب وأجهزة إعلامه، والذي لا يزال مستمرا حول الترتيبات الأمنية لمنطقة الخليج، بل وربما المنطقة العربية بأكملها، بعد أن تنتهي ذيول الحرب الأميركية الدائرة حالياً مع العراق.

ولعلّ أحد أهم اسباب الضيق، هو أن حديث معظم المشاركين في هذا الحوار، وهم في الغالب من السياسيين الرسميين، ورجال المخابرات والاعلاميين المقربين من هذين الطرفين، اضافة إلى السياسيين القدامى، ورجال المؤسسة العسكرية.. ان حديث معظم هؤلاء يفيض بالأنانية والتجاهل الصارخ لمصالح وحقوق أهل المنطقة، والذين هم المعنيون قبل غيرهم بموضوع الترتيبات.

فالحديث عن الأمن بالنسبة للغرب، هو حديث عن المصالح أولاً وآخراً.. وتوزيع الأدوار في هذا النظام الأمني أو ذاك، إنما هو توزيع للحصص، ولأنّ أي نظام أمني ـ من وجهة نظر الغالبية من السياسيين الغربيين ـ إنما يعتمد على سلطان (القوة)، فان مقدار تواجدها لدى الاطراف المشاركة فيه، يحدّد حصّة كل طرف فيه.

وبشكل أوتوماتيكي، يتحوّل الحديث عن الترتيبات الأمنية الى وجهة تختلف تماماً عما يقصد به من (ترتيبات) و (أمن).. فمنطق القوّة هنا هو الذي يحدّد المعنى، وهو الذي يسوقه نحو الغاية التي يراد تحقيقها.

لهذا فان نقاشاً او حواراً يدور حول الترتيبات الأمنية التي يريد صاحب (القوّة) فرضها على ارض غير أرضه، ولتحقيق مصلحته الخاصة انطلاقاً ممّا لديه من قوّة وبطش، تعني تجاهلاً شبه كامل للمعنيين الأساسيين بما يسمى بـ (الترتيبات الأمنية).. ومن حق المواطن العربي ان يضيق بنقاش الغربيين عن وطنه وثروته وأمنه، بالصورة التي يصفنا بها ساسة الغرب ومفكروه، وكأنه ليست هناك شعوب او حكومات حتى، لها الحق في التساؤل عمّا يدبّر لها، او الاشتراك في الخطط المعدّة.

والقضية اليوم لم تعد مسألة نقاش ووضع خطط، بل ان التنفيذ قد بُدء به.. ولقد كنّا نحن شعوب المنطقة فيما مضى ضمن نظام أمني (فصّله) الغرب لنا ولبسناه.. ونحن الآن على أعتاب نظام أمني آخر (يفصّله) الغرب ايضا ولتحقيق ذات الغاية.

كيف ينظر الغرب الى الترتيبات الأمنية، وما هي أعمدتها، وأين نحن من كل هذا؟!

في أواخر الستينات أقنع الأميركيون رفاقهم الانجليزبالانسحاب من الخليج، وإيكال أمنه لأطراف إقليميّة، قبل ان تتفاقم المشاكل وتلتهب المشاعر ضد التواجد الغربي المباشر.. ولذا سحب رئيس الوزراء يومذ إدوارد هيث، قوات بلاده سنة 1971، وظهر إلى النور نظرية نيكسون للأمن الخليجي القائم على ما عرف بنظرية (العمودين المتساندين)، أي العمود الإيراني الشاهنشاهي، والعمود السعودي.

وحقيقة الأمر ان العمود السعودي، لا يعني شيئا كثيراً، إذا أخذنا بعين الاعتبار مسألة القوّة، التي هي عماد الأمن من وجهة نظر الغرب وتلامذته.. وإنّما هو عمود (مساند) بالمال، والشرعيّة.

والدعم السياسي والإعلامي.

وبعد نحو ثمان سنوات فقط إنهار النظام الأمني، بانهيار نظام الشاه، ولكن الغربيين سرعان ما استوعبوا صدمة انتصار نظام معاد للغرب، بتحويل النظام العراقي إلى بديل لنظام الشاه، وعمل الغربيون على تقويته ليصبح العمود المكمّل للعمود السعودي.. وقد تحوّل النظام العراقي ـ كما كان نظام الشاه ـ الى حربة عسكرية وتحجيمه، محاولا إخضاعه قسراً لمعادلة (المصالح / القوّة) صاربة بيد الغرب لايقاف الزحف الديني الثوري القادم من إيران الغربية.

والحقيقة انه منذ سقوط الشاه لم تشه المنطقة الخليجية استقراراً، لأن الخلل كان في تشخيص المرض الحقيقي الذي تعاني منه المنطقة، وبالتالي فشل العلاج الذي قدّمه الغربيون.

والمسألة لم تكن في واقعها تدور حول فراغ القوّة الذي سببّه انسحاب الانجليز من الخليج، ولا الفراغ الذي تركهخ انهيار نظام الشاه.. لأنّ القوّة أثبتت مرّة بعد الأخرى أنها ليست علاجاً.. واذا كان الاميركيون لم يستوعبوا هذا الدرس بسقوط النظام الشاهنشاهي، واستمرّوا في سياستهم القديمة، فحريّ بهم الآن، وبعد ان غرا العراق الكويت ان يكونوا قد استوعبوا الدرس.

ان الاعتماد على قوّة اقليمية تنوب عن الغرب في حفظ مصالحه، وتتغدَّى على الته العسكرية، بحيث تصبح تلك القوّة مهيئة لممارسة دور الشرطي.. ان هذا الاعتماد القائم على إخضاع المصالح لمنطق العنف والقوّة هو الذي قاد المنطقة الى حربين مدمرتين خلال عشر سنوات فحسب، ولا ندري ماذا سيخبيء لنا النظام المني الجديد الذي يبدو من خلال تصريحات المسؤولين الأميركيين انه يسير في ذات الطريق القديم، وإن اتّخذ طلاء مختلفا عن سابقه.

فالغرب لا يبحث عن علاج حقيقي لمرض المنطقة المزمن، والذي كان احد اسبابه الاستبداد، وحماية الانظمة المستبدّة.. والاعتماد في كل قضاياه وترتيباته على موازنة القوى الاقليمية، وتشاجرها وتناحرها، وصفع بعضها ببعض، ليفوز هو وحده بكامل الغنيمة.

ومنذ بداية السبعينات، حينما خرج الانجليز من مشيخات الخليج، وحتى انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وكان تشخيص الخطر يعتمد على احتواء الانظمة الاقليمية (العراق واليمن الجنوبي)، وقد شمال العراق بالتعاون مع السعودية وأموالها، احتواء الخطر، وقد تكلّل النجاح بعقد اتفاقية الجزار لعام 1975.

غير ان سقوط الشاه اثبت ان الديكتاتوريات لا تحفظ أمناً، بل هي أحد أهم مسببات الاخلال به.. اذ لا يمكن لأيّ نظام مستبدّ، ومهما أوتي من القوة أن يحفظ مصالح الغرب وإلى الابد.. وتجربة الشاه لم تستمر سوى سبع سنوات (1971 ـ 1978)، في حين ان تجربة صدام لم تزد على العشر، وقد كانت مليئة بالاضطراب والفوضى.

وها نحن نشهد مفاجأتين خلال فترة وجيزة.. فحامي حمى الخليج الشاهنشاهي، يسقط بغدية داخلية وبومها قل رئيس وزراء البحرين لقد سقط عمود الخيمة الخليجي!. وجاء خلفه صدّام الذي رشحه الاميركيون لذلك ليفاجئ الصديق والعدو بقلب المجنّ للغربيين ويحتّل الكويت في خمس ساعات!!.

والان لا يوجد أي حام لمصالح الغرب في المنطقة، لا الشاه ولا صدّام، وشيوخ الخليج الضعفاء، أقل من ان يحموا انفسهم من الاخطار الخارجية والداخلية، فاضطرت أميركا لأن تأتي بجحافلها وتخوض معركة شرسة غير آبهة بالمخاطر السياسية، لتحفظ ما تدعي أنه مصالحها.. وجاءت هذه الجحافل لتذكّرنا بعودة الاستعمار العسكري القديم والمباشر.. ولسوء الحظ فان شعار الأميركيين لعمليتهم هو (تأسيس نظام أمني جديد للعالم!!).

لقد ضرب الأميركيون أكبر قوتين قادرتين على حماية مصالحهم، إيران بعد انتصار ثورتها وتحولها عن الخندق الأميركي، وذلك بواسطة العراق وبتمويل السعودية.. ثم تم ضرب العراق بحركة عسكرية مباشرة واضحة المعالم والأهداف، وبتمويل السعودية ايضا!.
لم يعر الأميركيون بعيد سقوط الشاه أهمية للحقيقة القائلة، بأن النظم الديكتاتورية، لا يمكن ضمان حمايتها لمصالحهم، الا بشكل آني، لأن هذه النظم تحمل بذور فنائها في داخلها.. ولو استوعب هذا الدرس لما وقعت الحرب الحالية ولا التي سبقتها والتي شنها صدّام مرّة بالنيابة عن أميركا والأخرى بالنيابة عن نفسه!.

كان يمكن استيعاب الخطر الإيراني ـ إن كان يشكل خطراً ـ بنظرة أكثر شمولية وواقعية لمشاكل المنطقة العربية بشكل عام، والخليجية بشكل خاص، وذلك بالنظر الى مصالح جميع الاطراف، وحل بؤر النزاع.. وليس بإعلان الحرب والحصار الاقتصادي وتحويل نظام صدام القمعي الى شبح يهدد المنطقة وأهلها.

ألم يكن بإمكان الغربيين دفع الخطر بالاتجاه نحو تأسيس أنظمة حرّة قائمة على اختيارات شعوبها، بحيث يمكن ضمان استقرار تلك النظم، وديمومة تلك المصالح، بدل الاعتماد على امر حاكمة مستبدة وفاسدة حتى النخاع لا يهمها سوى كرسي الحكم، والحفاظ عليه بأي ثمن، حتى ولو كان دم الشعوب وثرواتها وإذلالها؟!.

ألم يكن بإمكان هؤلاء، أن يتفهموا مصالح جميع الاطراف، بدل النهب الواضح للثروات، وتحويل دول الخليج الى سوبر ماركت غربي كبير، مع اضافة المذّلة والمهانة لكل القاطنين فيها؟!.

بلى.. كان بأمكانهم فعل ذلك، ولكن طمعهم في الاستئثار بخيرات المنطقة، عن طريق الكلاب البوليسية التي تمثلها النظم الفاسدة العميلة، هو الذي قادنا وقادهم الى هذا المصير.

لو انهم استوعبوا ان القوّة لا يمكن ان تؤسس أمناً، سواء على الصعيد المحلّي أو الاقليمي أو الدولي، فالعصا مهما كانت غليظة، الا انها قابلة للتحدي وللتكسر في يوم ما.. لكان قد بُدء منذ ان سقط الشاه بنظام أمني قادر على استيعاب المتغيرات، وبطريقة اكثر اخلاقية وعدلا في التعاطي مع (النفط) الذي تدور حوله وبسببه كل ادعاءات الأمن والنظام!.
وأظن من خلال ما جرى حتى الآن في أزمة وحرب الخليج الثانية، أن الغرب يسير بالاتجاه القديم نفسه.. فتصريحات مسؤولية مأخوذة بمنطق القوّة واستعراض العضلات، والتباهي بتكنولوجيا السلاح، واستصغار العرب والنظر اليهم دونياً، حيث يرى اولئك المسؤولون ان العرب والخليجيين على نحو اخص، أقل من ان (يتركوا) لتقرير مصيرهم، دون أنظمة الدمى التي وضعوها وحموها، لينهبوا عن طريقها ما شاء لهم نهبه.. إن العرب من وجهة نظر الغرب لا يستحقون الا التأخر والاخضاع بالقوّة، خاصة اذا كانت الديمقراطية تعني بالنسبة اليهم، وصول (الأصوليين) إلى الحكم.. كما تعني ـ بالطبع ـ ان ليس كل ما يريدونه يحصلون عليه.
من يحمي الخليج الآن؟!.. إنه سؤال صعب، فإيرن اليوم ليست ايران الشاه، وبينها وبين الغرب ثارات، في حين ان العراق تحوّل بالكامل الى عدو، سواء بقي صدّام في الحكم ام لم يبق، لأنّ الأميركيين في حربهم لصدّام، أذاقوا العراقيين جميعاً البأساء والضراء.

وسوريا ليست موثوقة غربياً، ومصر لوحدها غير قادرة، والوجود العسكري الأميركي والغربي المباشر خطرّ للغاية.. فهل يمكن إيجاد توليفه من كل هؤلاء، وما علاقة الوضع العام بإسرائيل؟!.

بديهي، أنه ليست هناك دولة بعينها مرشحة لتحمي دويلات ومشيخات الخليج، بعد فشل تجربتين خلال عقد واحد من الزمن.

وبديهي، ان الغرب لا يريد حلاًّ قد يؤدي الى تقليص مصالحه بصورة كبيرة، خاصة ونحن نشهد اليوم قواته وهي تدمّر ما تبقّى من العراق بعد ان دمّرت هي والقوات الصدّامية الكويت، بينما بدأت المشاجرات بن اقطابه للاستحواذ على صفقات البناء.. يدٌ تدمّر بثمن مدفوع، ويدٌ اخرى تبني بثمن مدفوع!.

والسؤال الأهم في موضوع الترتيبات الأمنية، هو: ممن يخشى على المنطقة؟!.

هل هو العراق، ام إيران، أم إسرائيل، أم تركيا، ام الاتحاد السوفياتي، أم من شعوب المنطقة نفسها؟.

واذا كان واحداً من هؤلاء يشكّل خطراً، فهل يمكن ان يدخل مظلة الأمن التي يستعدّ الغرب لاعلان اسماء المشاركين فيها ولماذا؟!.

من الصعب تقديم إجابت على هذه التساؤلات، ولكنّنا نعتقد ان أي نظام أمني جديد للمنطقة العربية يجب ان يقوم على الأسس التالية:

اولا ـ حل المشكلة الفلسطينية، ووضع حدَ لعربدة إسرئيل، بعد ان اصبحت المواجهة معها، او الادّعاء بذلك، وسيلة للوصول إلى السلطة بصورة غير مشروعة، وغطاء لاستبداد وقمع وارهاب النظم العربية لشعوبها.

ثانيا ـ (دمقرطة) النظم العربية، ورفع اليد الأميركية الحامية لحلفائها المستبدين، وصولاً إلى استقرار كل نظام بعيه، لينعكس فيما بعد على استقرر المنطقة بصورة أشمل.

ثالثا ـ سحب القوات الاجنبية من المنطقة، لأن بقاءها يعني إبقاء التوتر، وتوسيع رقعة عدم الثقة بين الشعوب العربية، والغرب.

رابعا ـ استبدال طريقة النهب الغربية للثروات العربية، بنظام (تبادل المصالح)، وتوزيع الثروة العربية بشكل اكثر عدلا ممّا مضى، أذ ليس من المنطقي ان تتحول مئات المليارات من الدولارات الى خزائن الغرب، بينما الغالبية من الشعوب العربية تعاني من الفقر والحرمان.

خامسا ـ احترام الغرب لخيارات شعوب المنطقة أنى كانت، وفي كل المجالات السياسية، والثقافية، والفكرية.. ووقف التدخل في شؤون العرب الداخلية، وهذا من شأنه ان يعيد بعض المصاداقية للغرب في تعامله معهم.

اننا ندرك ان مثل هذه الأمور صعبة التحقيق، ولكن اذا توافرت النية، واستبعد منطق القوّة الذي لا يزال حتى هذه اللحظة سيد العقل الغربي، فان الأوضاع ستتطور الى الأحسن.

كما ان الشعوب العربية أدركت جيدا من خلال مجريات الأزمة الخليجية، الحالية، ان قواعد اللعبة لم تقم على منطق اخلاقي، وأنما قائمة على منطق إخضاع القوي للضعيف.. فتبرير اسقاط نظام صّدام بحجة ديكتاتوريته وعدوانيته، يجب ان لا يحجب عنا حقيقة دعم الولايات المتحدة لديكتاتورية الأنظمة الحليفة لها، كالنظام السعودي، وأنظمة مشايخ الخليج الأخرى.. ولا ان يلهينا عن حقيقة دعمها لعدوانية إسرائيل، بل وممارستها هذه العدوانية بصورة فجة صلفة بحق العرب.

وان الولايات المتحدة وبريطانيا، اللتان تريدان من خلال الحرب الحالية إذلال صدام التكريتي ـ الذي هو احدى سيئاتهما الكثيرة حدا في المنطقة ـ إنما يستهدف في واقع الأمر إذلال العرب والمسلمين جميعا لأهداف لم تعد خافية على أحد.

واذا كان الجميع يلتفت الآن بحثاً عن دور له في صنع مستقبل المنطقة وأمنها، فان شعوب المنطقة لا يجب ان تغفل، وأقل ما تتمناه تحطيم النظم الديكتاتورية القائمة لتنطلق الى عالم الحرية والتقدم، والسلام أيضا

 

الصفحة الرئيسية