Make your own free website on Tripod.com

   الشاهد للدراسات السياسية والاستراتيجية        

   
     

 قبول العراق عودة المفتشين سياق القرار والتوقعات المستقبلية

 بعد أن ربطت الولايات المتحدة بين رفض العراق لقرارات مجلس الأمن وتهديد السلم والأمن الدوليين جاء القرار العراقي بقبول عودة المفتشين ليعيق الخطط الأمريكية باستصدار قرار من الأمم المتحدة يفوضها بضرب العراق في حال لم تمتثل لهذه القرارات وبرغم ذلك نجد أن واشنطن لم تغير من سياساتها بعدما تأكدت من أن قرار لجوءها إلي الهيئة الأممية سيحقق لها أهدافها بتكاليف أقل مما لو تحركت بمفردها .

وجاء قبول العراق للاستئناف الفوري لعمليات التفتيش في مجال نزع الأسلحة في رسالة سلمها وزير الخارجية العراقي ناجي صبري بحضور الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسي إلي الأمانة العامة للأمم المتحدة تضمنت أيضاً استعداداً عراقياً للبدء فوراً بالتفاوض بشأن الإجراءات العملية لعودة المفتشين ومواصلة عملهم .

وردت الولايات المتحدة علي الرسالة ببيان ألقاه سكوت ماكليلان الناطق باسم البيت الأبيض قال فيه " كما قال الرئيس بوش فإن علي مجلس الأمن أن يقرر كيفية تنفيذ قراراته التي لاقت تحدياً من العراق لأكثر من عقد ، ثم علق بوش عليها قائلاً " إن حيلته الأخيرة ( يقصد صدام حسين ) لن تخدع أحداً . لقد قام في السابق بالشئ ذاته سنذكر العالم بانه بتحديه للأمم المتحدة بات يشكل خطراً متزايداً علي السلام في العالم .

ويبدو أن بوش كان ينتظر أن ترد بغداد لا بالموافقة علي عودة المفتشين فحسب وإنما علي شروطه الخمسة التي جاءت في خطابه علي منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة ، ونظراً لأن قبول العراق عودة المفتشين جاءت قبيل إلقاء خطاب صدام حسين في الجمعية العامة للأمم المتحدة فقد شكل ذلك فرصة للرد علي رؤية الإدارة الأمريكية كما وردت في خطاب بوش .

وشجب صدام حسين خطاب جورج بوش واصفاً إياه بأنه دعاية صاخبة وأن بوش عرض مشاكل بلاده الأمنية من منظور ضيق الأفق بدلاً من الاهتمام بالقضايا العامة التي تهتم بها البشرية قائلاً " لقد صور بوش هذه القضية كما لوكانت أخطر وضع ليس فقط بالنسبة لحياة وأمن ومستقبل الولايات المتحدة وإنما حياة ومستقبل وأمن العالم بأسره ، مضيفاً أن بوش عرض تشويهات في خطابه حتى يجعل المواطن الأمريكي يربط بين العراق و11 سبتمبر وأنه "من المفارقة أن " يتحدث عن الديموقراطية في الوقت الذي تسببت فيه بلاده في قتل مليون و700 ألف عراقي خلال 12 سنة ( هي فترة الحصار علي العراق ) .

السياسة العراقية :

والملاحظ أن القرار العراقي بقبول عودة المفتشين يجئ في إطار سياسة " حافة الهاوية " التي اتبعتها القيادة العراقية طيلة السنوات الثلاثة السابقة حيث أنها قادت الأزمة حتى نقطة ما قبل النهاية بهدف التعرف علي ماهية الدوافع الأمريكية ، فظلت بغداد طوال تلك الفترة ترفض عودة المفتشين وساقت تبريراً لذلك علي لسان طارق عزيز بقوله أن قبول عودة المفتشين لن يمنع غزو العراق ، وفي تلك الأثناء حاولت العراق التحرك علي المستوي الخليجي بمساعدة الأمانة العامة للجامعة العربية، ورغم تحقيق اختراق في العلاقات العراقية-الخليجية إلا أن الحالة مع الكويت ظلت علي حالها بسبب اقتناعها من أن النظام في العراق خطر علي أمن المنطقة وأنه لا يتعاون في قضية الأسري والمفقودين .

واتجه العراق في خطوة تالية -في نفس الوقت الذي ازدادت فيه نبرة التهديدات الأمريكية بغزو بغداد -إلي الحوار مع الأمم المتحدة وعقدت بعض الجولات انتهت بالموافقة علي عودة المفتشين ، وطوال هذا الحوار طالب العراق بصفقة كاملة في في إطار الأمم المتحدة من أهم ملامحها تشكيل فريق جديد من المفتشين وتحديد المدة الزمنية للتفتيش بحيث تنتهي بإعلان رفع الحصار المفروض علي الشعب العراقي .

غير أن الولايات المتحدة رفضت هذه الصفقة بالكامل وأرادت رضوخ العراق "وفق شروطنا وشروط مجلس ألأمن" كما جاء علي لسان كولن باول ورفعت في آن من نبرة التهديد مع القيام ببعض التحركات وإرسال العتاد والبوارج الحربية في إطار حرب نفسية من أجل التأكيد علي أنها عازمة علي القيام بالغزو .

وفي مقابل هذا قامت بعض الدول العربية من خلال الجامعة العربية والدول الكبرى التي لها مصالح مع العراق وخاصة روسيا بمحاولات عدة تهدف إلي إقناع العراق بقبول عودة المفتشين مما يحول دون استصدار قرار جديد يعطي الصبغة القانونية علي الغزو الأمريكي المتوقع ، وأرجأت بغداد قرارها حتى الأيام القليلة التي تفصل بين إلقاء بوش لخطابه أمام الجمعية العامة وإلقاء خطاب لصدام حسين من علي نفس المنبر وجاء في الرسالة التي حملها ناجي صبري إلي الأمانة العامة للأمم المتحدة أن العراق وافق علي عودة المفتشين كي تزال الشكوك حول حيازته علي أسلحة الدمار الشامل " .

الوساطة العربية :

ويمكن القول أن قبول العراق وساطة بعض الدول العربية في إطار الوساطات العديدة الهادفة إلي إقناعه بقبول عودة المفتشين يؤكد وجود تغيير لدي القيادة العراقية التي رفضت هذه الوساطة من نفس الدول في حرب الخليج الثانية حيث أتهمتها وقتذاك بالعمالة للولايات المتحدة ثم عادت وقبلتها منذ قبولها إجراء حوار مع هيئة الأمم المتحدة علي اعتبار ان التهديد الأمريكي ليس تهديداً للعراق وفقط ولكنه تهديد للأمن القومي أيضاً .

وفي المقابل قام هؤلاء الوسطاء بدورهم نظراً لما اعتبروه مخاطر جسيمه تشمل المنطقة العربية بأسرها بعدما رأوا أن الغزو الأمريكي للعراق يهدف إلي إنهاء ما تبقي من عناصر الصراع في المنطقة طبقاً لرؤية إسرائيل وكذلك إلي الاستيلاء علي حقوق النفط العراقية، وأيضاً يمثل رسالة لغيره من النظم الحاكمة في المنطقة لها دلالتها ومغزاها.

ورغم الإدراك الواضح لهذه الأهداف فقد حدث اضطراب وربما تراجع لدي هؤلاء الوسطاء بعدما لجأت الولايات المتحدة إلي الأمم المتحدة من أجل استصدار قرار يعطي مهلة أيام وأسابيع للعراق من أجل قبول التفتيش وإلا تعرض لضربة أمريكية وفق البند السابع من الميثاق وتمثل هذا الاضطراب في الترحيب بما قامت به الولايات المتحدة وإعلانهم عزمهم الموافقة علي ما تريد واشنطن أن يتضمنه قرار الأمم المتحدة .

وبعد مضي أسبوع واحد أشادوا هم أنفسهم ولكن هذه المرة المرة بقرار الرئيس العراقي بقبوله عودة المفتشين ، وأصدر وزراء الخارجية العرب بياناً علي هامش دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة يطالبون فيه الولايات المتحدة دون أن يسمونها بوقف التلويح بخيار الغزو فدعا البيان إلي الامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد العراق واحترام سيادته بعد قبوله عودة المفتشين .

والمشكلة لا تكمن في هذا الاضطراب بقدر ما تأتي من إمكانية أن تكون الخطوة التالية بعد اقناع بغداد بقبول عودة المفتشين هو العمل علي اقناعها بتلبية الشروط الخمسة الوارده في خطاب بوش أمام الجمعية العامة في حال عادت واشنطن إلي التهديد بغزو العراق وستكون الحجة في ذلك هو أن هذه الشروط ليست ضد مصلحة العراق ، وإذا نجح الوسطاء العرب في ذلك فقد تشهد مرحلة جديدة تكون بغداد أقرب إلي النموذج السوداني أو الليبي وهي مرحلة يتبعها إقامة جسور من العلاقات ذات نمط خاص بين واشنطن وبغداد .

 

التحركات الأمريكية :

لم تستمع واشنطن إلي مطالب الأصدقاء العرب كما ظهر من رد بوش علي الرسالة العراقية والردود والتحركات الأمريكية الأخرى التي اعتبرت قبول عودة المفتشين بمثابة تحرك تكتيكي مصيره الفشل فقال ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي أن المفتشين لا يشكلون جوهر الموضوع إنهم وسائل تبرر الغاية وستكون منطقة الشرق الأوسط أكثر أماناً وسيكون الشعب العراقي أوفر حرية إذا ما تسلم الأمور في بغداد شخص غير صدام حسين .

واستمرت التحركات في اتجاه الحصول علي تفويض من مجلس الأمن فالتقي وزير الخارجية الأمريكي كولن باول وزيري الخارجية والدفاع الروسيين من أجل الحصول علي موافقة روسية بذلك وأعلنت واشنطن أنها سوق تقدم أدلة إلي موسكو عن امتلاك العراق أسلحة دمار شامل ، كما واصلت واشنطن الضغط على موسكو حتى توافق في مجلس الأمن على منح تفويض لواشنطن بضرب العراق.

وفي نفس السياق أعلن كولن باول أمام لجنة العلاقات الدولية بمجلس النواب الأمريكي أن واشنطن ستجد الوسائل المناسبة لمنع المفتشين الدوليين من العودة إلي العراق ما لم يصدر قرار جديد شديد اللهجة من مجلس الأمن يتضمن تحذيراً لبغداد من العواقب القاسية إذا رفض نزع سلاحه ، مطالباً بأن يشمل التفتيش القصور الرئاسية الثمانية في العراق .

وهذا لا يعني سوي أن واشنطن عازمة استكمال تحركاتها الهادفة إلى  النيل من صدام حسين إذا لم يتجه إلي إثبات حسن السير والسلوك ويعتزم -هو والأصدقاء العرب -اتخاذ الخطوات جديدة وفعلية من أجل التخلص من إنتاجه من أسلحة الدمار الشامل من ناحية وأن الإدارة الأمريكية رغم اتجاهها لاستصدار قرار جديد ما زالت تريد الاحتفاظ بخيار التحرك المنفرد ولعل الدليل علي ذلك هو أنه من المتوقع أن يصوت الكونجرس في الأسبوع الأول من شهر اكتوبر علي قرار بضرب العراق أي قبل أسبوع واحد من بدء عودة المفتشين إلي بغداد من ناحية أخري .

وعموماً لا يمكننا فهم هذه التحركات التي تصاحبها لهجة متشددة وتأكيد علي الإطاحة بصدام حسين إلا بعد وضعها في سياق يربطها بوجود صعوبات لغزو مباشر للعراق لا تتعلق بالتكلفة الاقتصادية أو معارضة الأصدقاء أو بالقواعد العسكرية بقدر ما أنها تتعلق بالخسائر البشرية الأمريكية تحديداً ـ وليس العراقية ـ الناجمة عن الغزو ولذلك فإن مهمة هذه التحركات هو الإبقاء علي تسخين الملف العراقي والتهديد بغزو بغداد بحلول الشتاء قبل حلول الصيف التالي والانشغال بموسم الانتخابات الرئاسية من أجل إجبار العراق ليس علي التخلص من أسلحته وإنما تلبية الشروط الأمريكية الوارده في خطاب بوش أمام الجمعية العامة .

التوقعات المستقبلية :

أمام احتمالات وجود خسائر بشرية أمريكية ومعارضة فعلية عراقية لتدمير أسلحته فسوف تمضي واشنطن في سياساتها المتمثلة في استصدار قرار بشأن العراق والحصول علي موافقة الكونجرس علي ضربة عسكرية لإسقاط النظام العراقي ولعل الخطوة الأولي في ذلك هي تحييد الأمانة العامة للأمم المتحدة ، أووقف الحوار بينها وبين العراق وهو ما أعلن عنه بالفعل الأمين العام كوفي عنان بالانسحاب من المفاوضات الخاصة بقضية العراق بعد أن استمر أكثر من عام في هذه المفاوضات وبرر هذه الخطوة بالقول أنه يترك الخطوات التالية لمجلس الأمن .

ويبدو أن العائق الأكبر الأن في مجلس الأمن هو روسيا التي لها مصالح اقتصادية نفطيه مع العراق وللحصول علي سكوت روسي في مجلس الأمن سعي الأمريكيون إلي الحوار مع موسكو بهدف تقاسم المصالح معها في حال استمرار التحركات الرامية إلي إسقاط نظام صدام حسين ولكنهم ناقضوا أنفسهم فبعد أن أعلنوا عزمهم تغيير هذا النظام وافقوا علي المطالب الروسية بترك الفرصة لعمل المفتشين بهدف التأكد من أن هذا العمل سيؤدي إلي جواب واضح عن وجود أسلحة دمار شامل في العراق ، وقد يكون هذا التناقض من أجل استصدار القرار المطلوب من مجلس الأمن الذي سيحمل تفويضا لواشنطن بالعمل العسكري ضد العراق.

وبالتالي ليس أمام العراق سوي التعاون الكامل مع فريق التفتيش والحرص علي تجنب استفزازه من أجل إطالة فترة عمله حتى نوفمبر 2003 حيث ستكون الإدارة الأمريكية في هذا الوقت مسغولة بالحملة الانتخابية لعام 2004 وبتعبير أخر إذا بقي العراق يعمل داخل إطار الأمم المتحدة ربما قد يتجنب الضرب لأنه لا توجد دولة كروسيا أو فرنسا أو الصين تستطيع رفع حق الفيتو أمام الولايات المتحدة.

غير أن هذا الالتزام العراقي لن يقطع الشكوك بإمكانية توجيه ضربة عسكرية أمريكية لبغداد (تستعمل فيها الطائرات فقط) نظراً لأن واشنطن قامت بتحييد الأمانة العامة للأمم المتحدة ، كما ان تجربتها مع عمل المفتشين تؤكد أنها تقدر علي استغلال أي اختلاف بين المفتشين وبغدا وتصويره علي أن بغداد تخرق قرارات الأمم المتحدة .

وبناء علي ما سبق يمكن القول أن الوضعية العراقية بعد صدور هذا القرار لن تشهد مرحلة جديدة تنتهي فيها معاناة الشعب العراقي برفع الحصار عنه وإنما ستظل نفس المرحلة وعنوانها الحرب علي العراق والإختلاف سيكون فى أنها حربا بتفويض من مجلس الأمن يتم مع إمكانية الإضافة لبعد التدخل الإنساني بدعوى إنقاذ شعب العراق.

ولن يمكن وقف هذه التحركات الأمريكية المتوقعه سوي بوجود وقفة عربية علي إدراك واضح باهداف واشنطن ولديها استراتيجيتها الخاصة بالمراحل الواضحة وتوزيع الأدوار ، والتكتيكات المختلفة من أجل الحفاظ علي الأمن القومي العربي ومصالح الأطراف العربية ، وإذا عجز العرب عن القيام بخطوة جماعية لفك الحصار عن الشعب العراقي فليست لديهم أية موانع في حال اتخذوا عدة إجراءات تهدف إلي تعطيل ووقف العدوان الأمريكي المحتمل مثل العمل علي إدخال عناصر عربية في فريق المفتشين ، والتأكيد علي الموقف الرافض لضرب العراق وخاصة من جانب الدول المجاورة للعراق بما فيها الكويت خاصة إذا أكد النظام العراقي مع اتخاذ موقف إيجابي من أزمة الأسرى الكويتيين، وكذلك التحرك في الأمم المتحدة ، من أجل إعادة النظر في مسألة نزع الأسلحة العراقية علي اعتبار أن قرار 687 كان يتضمن نزع أسلحة الدمار الشامل ليس للعراق فحسب وإنما في منطقة الشرق الأوسط بأسرها.

الصفحة الرئيسية