Make your own free website on Tripod.com

   الشاهد للدراسات السياسية والاستراتيجية        

   
     

مجلس الأمن .. وموقفه من القرار الأمريكي تجاه العراق

يبدو أن قرار العراق بعودة المفتشين الدوليين إلي العراق مرة ثانية دون قيد أو شرط لم  يرض الإدارة الأمريكية التي كانت قد عزمت علي إقصاء القيادة العراقية من السلطة في العراق فلجأت إلى اعتبار ذلك القرار مناورة عراقية لتضليل المجتمع الدولي ، لذلك كثفت واشنطن اتصالاتها وضغوطها لإصدار قرار من مجلس الأمن يمنحها حق اللجوء إلي القوة ، وكان الرئيس بوش قد حذر الأمم المتحدة من أنه سيشن الحرب منفرداً إذا لم يحصل علي القرار المناسب في أسرع وقت ، وقد نص مشروع القرار الأمريكي الذى قدمته أمريكا إلى مجلس الأمن علي الآتي :

1.   يمكن لكل دولة عضواً بالأمم المتحد استخدام كافة الوسائل اللازمة بما فيها القوة إذا انتهك العراق القرار .

2.   تشكيل قوة لحماية مفتشي الأسلحة في قاعدتهم .

3.   علي العراق الكشف عن كل ما لديه من أسلحة الدمار الشامل في غضون ثلاثين يوماً من صدور القرار .

4.   لأي من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن طلب تمثيلها في فريق التفتيش .

5.  لابد للمفتشين من دخول كل المواقع بما فيها ثمانية مجمعات رئاسية وكل المساجد والمباني الحكومية .

6.   أي امتناع عن إطاعة القرار يشكل انتهاكاً لما التزم به العراق .

ويؤكد البيت الأبيض علي ضرورة استصدار مثل هذا القرار من مجلس الأمن ، لأن عودة المفتشين بشروط النظام الحاكم العراقى تجعل من المستحيل تسميتهم مفتشين ، ولن يكونوا سوي سياح يقومون بنزهة .

وهذا القرار الذي تريد الولايات المتحدة استصداره من مجلس الأمن يثير خلافات بين الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن ، حيث تعارض الولايات المتحدة ، وبريطانيا عودة المفتشين الدوليين قبل اعتماد قرار جديد لعمليات التفتيش ينص علي إمكان استخدام القوة في حال مخالفة العراق بنوده ، في حين تري روسيا أنه ليس هناك ضرورة لذلك القرار ، فالأولوية لابد وأن تكون لعودة المفتشين إلي العراق وبسرعة ، تؤيدها في ذلك الصين وفرنسا .

وهذا الموقف داخل مجلس الأمن جعل هيئة التفتيش الدولية " انموفيك " برئاسة هانس بليكس تؤجل عودتها إلي بغداد لحين صدور قرار من مجلس الأمن ، وقد اضطرت إلي ذلك بعدما أعلنت واشنطن معارضتها السماح لها بالسفر إلي العراق قبل تسليحها بقرار حازم من مجلس الأمن يخولها دخول القصور الرئاسية واستجواب العلماء العراقيين ، إلا أن معارضة الدول الكبرى الأعضاء فى مجلس الأمن لمشروع القرار الأمريكى – كما يبدو من تصريحات حكوماتها – لا تتسم بالصلابة والحسم ، بل هى قابلة للتعديل بل والتراجع .

ردود الأفعال المختلفة حول القرار :

تراوح رد الفعل الروسي حول القرار الأمريكي بين القبول والرفض ، فقد ذكر نائب وزير الخارجية الروسي " يوري فيدوتوف" أن موسكو لا تري ضرورة لإصدار قرار جديد من مجلس الأمن، لافتاً إلي أن القرارات السابقة كافية ولا معني لإصدار قرار جديد، ويعني كلام فيدوتوف أن موسكو منزعجة من تأجيل عودة المفتشين إلي العراق، وأضاف دبلوماسي روسي أن واشنطن تريد أن تفرض وصاية علي لجنة التحقيق والتفتيش " أنموفيك " التي يرأسها هانس بليكس .

وعلي النقيض من ذلك ، ورغم تنديد الخارجية الروسية بالاستراتيجيات الرامية إلي الالتفاف علي مجلس الأمن في انتقاده  للضغوط الأمريكية ، أعطت روسيا مؤشراً واضحاً إلي تراجعها مؤكدة استعدادها للنظر  في مشروع قرار جديد يصدره المجلس ليجعل عمل المفتشين في العراق أكثر فاعلية .

أما وزير الخارجية البريطاني " جاك سترو " فأيد دعوة نظيره الأمريكي كولن باول إلي قرار جديد لمجلس الأمن قبل عودة المفتشين إلي بغداد لأن نظام التفتيش الحالي من وجهة نظر سترو " فاشل " . وتذهب لندن إلي أبعد من ذلك حيث تري أنه في حال امتنعت فرنسا وروسيا والصين عن التصويت ، فإن القرار المزمع اتخاذه سيبقي قانونياً وسيتم تنفيذه ، وبذلك تكون رؤية بريطانيا ـ كما هو معروف عنها ـ متطابقة مع الرؤية الأمريكية ومدعمة لها .

وقد عادت باريس لتقف قريباً من الموقف الأمريكي البريطاني المشترك ، حيث لم تعارض التأجيل معتبرة أن عودة بليكس رهن بقرار يصدره مجلس الأمن ، وذلك علي الرغم من رفض باريس لاستخدام القوة ضد العراق ، إلأا من خلال قرار لمجلس الأمن .

أما ألمانيا التي تتصاعد منها التصريحات المتتالية بخصوص رفض ضرب العراق ، والتي يعتبرها البعض تقف وحيدة في خندق معادي للقرار الأمريكي ، نجدها تسعي للمصالحة مع الولايات المتحدة ، خصوصاً بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة في ألمانيا .

وقد أعلنت كندا معارضتها لأي هجوم أمريكي منفرد علي العراق ، وأكدت أنها ليس لديها أي نية لأن تسير خلف واشنطن مغمضة العينين في تحرك قد يزعزع الاستقرار في مناطق واسعة من العالم ، وهذا نفس ما صرح به وزارء دفاع أوروبيون .

موقف العراق من القرار :

وقد دهش العراق من قيام الولايات المتحدة بالسعي من اجل استصدار مثل ذلك القرار ، ما دامت القرارات الحالية والمتعلقة بعمليات التفتيش كافية لينجز المفتشون عملهم بشكل كامل ، وبعد أن أصدرت القيادة العراقية قراراً برفض أي قرار جديد يصدر من الأمم المتحدة بشأن عودة مفتشي الأسلحة رجع العراق وأصدر قراراً بقبول أي قرار يصدر عن مجلس الأمن ، في عملية تستهدف تفويت الفرصة علي الولايات المتحدة حتى لا تقوم بضرب العراق ، وتغيير القيادة ، خصوصاً وأن البيت الأبيض قد أعلن أن أعضاء مجلس النواب الأمريكي وافقوا علي قرار يفوض الرئيس بوش استخدام القوة ضد العراق لصيانة أمن الولايات المتحدة .

الأمم المتحدة وموقفها تجاه القرار :

ولم يختلف موقف الأمين العام للأمم المحدة كوفي أنان ، عن موقف الدول الكبري من الاتجاه الأمريكى لضرب العراق ، حيث نجده أحياناً يتحدث بما يشبه الرفض للقرار ، وأحياناً أخري يعلن الحياد ، حيث شدد علي ضرورة التركيز علي إزالة الأسلحة فيما يبدو انتقاداً ضمنياً لتصريحات المسؤولين الأمريكيين الداعية إلي الإطاحة بصدام حسين . في الوقت الذي أعلن فيه أن الأمر يعود إلي مجلس الأمن ليبت فيه .

أما بليكس المسؤول عن لجنة التفتيش فيقول " أن القرار الأمريكي يخول المفتشين سلطات واسعة بالذهاب إلي أي مكان بما في ذلك المجمعات الرئاسية من دون إشعار مسبق ، بما يسمح للدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالانضمام إلي التفتيش واقتراح أى أماكن تريد تفتيشها .

القرار والمصالح الاقتصادية :

وللمصالح الاقتصادية دور كبير في تبني القرار الأمريكي في مجلس الأمن ، فالدول الخمس دائمة العضوية لا يحركها سوي مصالحها الاقتصادية ، وهذا ما جعل الولايات المتحدة تطمئن الدول المعارضة للقرار بأن مصالحها الاقتصادية ستكون في أمان بعد إطاحة صدام حسين ، وقد أعلن باول وزير خارجية الولايات المتحدة أن هناك مشاورات تجري مع روسيا ودول أخري حول المسؤوليات الاقتصادية التي ستترتب علي إطاحة صدام حسين ، كما طمأن باول روسيا إلي أنه سيكون بمقدورها الاحتفاظ بحصتها الضخمة في حقول النفط العراقية ودورها فى إعادة تعمير العراق .

وهذه المصالح تؤكد عليها روسيا لدرجة وصلت إلي حد إعلانها مقايضة النفط والتجارة بقبولها لإجراء ضد العراق ، وقد تلقت شركات النفط الروسية ، وفي طليعتها شركة لوك اويل الروسية العملاقة ضمانات من الرئيس " فلاديمير بوتين " أنها ستستطيع الاحتفاظ بحصصها الضخمة في حقول النفط العراقية حتى لو تمت الإطاحة بصدام حسين ، وتزامنت هذه الضمانات مع إعلان جديد عن تأييد لمسؤولين أمريكيين وروس لتطوير شراكة بين الجانبين في مجال الطاقة .

الدول دائمة العضوية والقرار :

اصابت السياسة الأمريكية المتشددة تجاه العراق دول العالم وخصوصاً الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن بالارتباك لدرجة جعلت أقوالهم متناقضة وفي أحيان أخري متضاربة ، مما يبدو وكأنه من الصعب معرفة اتجاه كلٍ منهم ومساره ، إلا أن المؤكد أن تلك الدول سائرة في اتجاه موافقة الولايات المتحدة علي ما تراه ، وتأييدها فيما تتخذه من قرارات شريطة ألا يتعارض ذلك مع مصالح تلك الدول الاقتصادية ، لذا فإن موقف الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن المعارض للقرار الأمريكي الأخير الخاص بالعراق ، قد لا يستمر طويلاً في ظل إلحاح الولايات المتحدة من أجل ان يتبني مجلس الأمن القرار ، وقد بدا واضحاً أن شخصيات روسية باتت تسلم بالحرب كواقع ، لذلك تحاول التأكد من ضمان مصالحها .

أما الولايات المتحدة الأمريكية فتبدوا وكأنها قد حسمت أمرها بخصوص ضرب العراق ، فكل الدلائل تشير إلي أنها توشك أن تستكمل استعداداتها لشن حرب ضد العراق ، فالتنسيق العسكري تم مع تركيا ، وكل الاستهلاك السياسي في التصريحات التركية لا يعكس واقع يعرفه الكافة وهو أن التحالف العسكري الأمريكي التركي هو من أولويات السياسة التركية ، وأن تركيا ستفتح أراضيها كاملة للقوات الأمريكية .

كما أن إيران من جهتها وعبر أكثر من وسيط ، عبرت عن أنها ليست حريصة علي استمرار صدام حسين في الحكم ولكنها تريد ترتيبات معينة كما حدث في الحرب في أفغانستان ، من هنا يأتي تصريح الأميرال شمخاني وزير الدفاع الإيراني بأن إيران لن تحتج إذا ما اخترقت الطائرات الأمريكية الأجواء الإيرانية في حال ضربها لبغداد .

ايضاً هناك حشد عسكري أمريكي كبير في منطقة الخليج وهناك حاملات طائرات أساسية وصلت أو في طريقها إلي المنطقة ، وأجواء الحرب يمكن ان يشهدها المواطن العادي وليس المراقب السياسي فقط .

من هنا تأتي خطورة أن تلعب الحكومة العراقية وتراهن علي تناقضات الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن ، كما تأتي من هنا ـ أيضاً ـ خطورة الاعتقاد بأن دولة مثل فرنسا أو الصين أو روسيا ستضحي بمصالحها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة من أجل العراق ، وأكثر من ذلك خطورة أن يسيطر التراجع على الموقف العربى ، وأن يحول دون القضاء على قرار موحد وهو وحده الكفيل بتفعيل الدور العربى فى الحفاظ على حاضر ومستقبل العرب .

 

 

الصفحة الرئيسية