Make your own free website on Tripod.com

   الشاهد للدراسات السياسية والاستراتيجية        

   
     

 الولايات المتحدة والبحث عن قرار ضد العراق

تشهد أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي حالة من الخلاف والتباين في الرأي بين الولايات المتحدة وبين فرنسا وروسيا ، بشأن الأزمة العراقية ، إذ تصرالولأوأا          الولايات المتحدة علي صدور قرار واحد من مجلس الأمن يتيح استخدام القوة ضد العراق إذا لم تستجب بصورة كاملة لقرارات الأمم المتحدة بخصوص تفتيش الأسلحة العراقية ، وهو أمر ترفضه باريس وموسكو ، إذ تري الأولي ضرورة صدور قرارين دوليين قبل اللجوء إلي القوة ، أما الثانية فلا تري مبرراً لاستخدام القوة وفي حالة استخدامها لابد أن تكون وفق قرار من مجلس الأمن .

والواقع أن حالة الخلاف والتباين بين الولايات المتحدة وبين بعض الدول الكبري التي يتمتع بعضها بحق النقض الفيتو في مجلس الأمن،  يتجاوز الأزمة العراقية ، ليعبر عن حالة أزمة حقيقية بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها والقوي الكبري حول أحقية إدارة الشأن الدولي ، الذي تري واشنطن أنها جديرة بإدارته بمفردها من خلال القرارات الدولية كنوع من الشرعية لتبرير سياستها حتي وإن انتزعت هذه القرارات تحت ضغوط ووعود .

 وفي المقابل كانت هناك حالة من الرفض في السير في الطريق الذي ترسمه واشنطن للعالم لكي يسلكه ، مثلته بعض المواقف الدولية الرافضة للسياسة الأمريكية المتشددة ضد العراق .

وبالتالي تصبح الأزمة العراقية بالوناً هاماً للاختبار بين القوة السياسية التي تتمتع بها واشنطن وتستطيع ممارستها لتطويع إرادات ومواقف الدول الأخري بما فيها الدول الكبري مثل روسيا والصين لتوافق علي الرغبات الأمريكية ، كخطوة هامة لإرساء معالم النظام الدولي الجديد، وبين محاولات بعض الدول التمسك ببعض المواقف الدولية لإثبات أنها مازالت تتمتع بتأثير في الوضع الدولي ، وأنها تستطيع إفشال مشاريع أمريكية إذا وقفت ضدها موقفاً حاسماً علي اعتبار أن القوة الأمريكية مهما بلغت فإن لها حدوداً وقيوداً .

ومن هنا كانت الأزمة العراقية صراعا بين إرادات دولية وبين الولايات لمتحدة لوضع نوع من الأسس لإدارة قواعد اللعبة السياسية الدولية  وحتى لا تمضي الولايات المتحدة وحدها في الطريق واهمة أن القوة تستطيع أن تجبر  الجميع علي اللهاث خلفها ، فالعراق كان هو الذريعة التي استخدمتها واشنطن للدخول والاستقرار في الخليج ، وكان رفض استخدام القوة ضده كانت ذريعة الدول المختلفة لمقاومة الاستراتيجية الأمريكية لهندسة المجتمع الدولي .

فالولايات المتحدة منذ الخطاب الاتحادي للرئيس بوش أمام الكونجرس في 29/1/2002 وهي تتخذ خطاً سياسياً متصاعداً تجاه العراق ، حيث طرح بوش رؤيته في انقسام العالم إلي معسكرين أحدهما للأخيار والثاني للأشرار ، وكانت بغداد ضمن المعسكر الثاني ، وأخدت واشنطن تؤكد علي نيتها للقيام بعمل عسكري ضد العراق وأن هدفها من هذا العمل يتجاوز مجرد إلزام العراق بالانصياع لقرارات مجلس الأمن  إلي تغيير النظام الحاكم في بغداد ، والأكثر من هذا ان الولايات المتحدة أكدت علي استعدادها للقيام بالعمل عسكرياً ضد العراق سواء حصلت علي غطاء دولي من مجلس الأمن أم لا ، واياً كان مدي استعداد حلفائها في أوروبا والشرق الأوسط للتعاون معها .

وعندما لم تجد الولايات المتحدة تجاوباً مقبولاً من حلفائها خاصة الأوروبيين علي الحرب ضد العراق لجأت إلي الأمم المتحدة لانتزاع قرار منها لضرب العراق في حال رفضه عودة المفتشين الدوليين دون قيد أو شرط وبعد قترة من الرفض وافقت بغداد علي عودة المفتشين دون قيد أو شرط وهو ما أسقط ذريعة واشنطن لاستهداف العراق .

وتدرك الولايات المتحدة أنها في حاجة إلي الحصول علي قرار دولي من مجلس الأمن يتيح لها اللجوء إلي القوة ضد العراق دون الرجوع ثانية إلي مجلس الأمن الممثل لإدارة المجتمع الدولي ، لأنها تري أن حصولها علي القرار يتيح لها الحرب تحت أي ذريعة وتصبح حركتها علي أرض الواقع أسبق من حركة مجلس الأمن والمجتمع الدولي ، لهذا كانت الضغوط الأمريكية كبيرة لاقتناع واشنطن أن مقاومة الأطراف المعترضه عليها تأخذ في التراجع.

وتجلي هذا  في تغيير روسيا وفرنسا موقفهما تجاه العراق عندما لجأت واشنطن إلي مجلس الأمن أول مرة ، وأعلن الرئيس الفرنسي جاك شيراك مطالبته بعودة المفتشين الدوليين إلي العراق أو أن تتحمل بغداد عواقب الرفض ، وكذلك تغير الموقف الروسي بعد فترة من العناد المصطنع أو الخلاف علي مقاصة الموافقة بين واشنطن وموسكو .

وتعكس التحولات في مواقف هذه الدول وغيرها قدرة الولايات المتحدة علي بناء التحالفات ليس بالضرورة عبر قدرتها علي الاقناع ولكن اعتماداً علي ضعف قدرة الأخرين علي تحمل تبعات اتساع الهوة بينهم وبين الولايات المتحدة وتراهن واشنطن علي انها إذا حسمت أمرها وأخذت القرار بمهاجمة العراق فإن دول الاتحاد الأوروبي وروسيا وغيرها من الدول سوف تلحق بها ولو بدرجات مختلفة ، ويعتقد الأمريكيون أن قدرتهم علي دفع الدول الأوروبية للالتحاق بهم سوف تتوقف علي المدي الذي تكون فيه الولايات المتحدة قادرة علي إظهار التصميم علي الانتصار في حملتها ضد العراق وتحقيقها لأهدافها ومصالحها .

وفي سبيل تليين واشنطن لبعض المواقف الأوروبية خاصة فرنسا وروسيا أبدت استعدادها لتغيير موقفها في مجلس الأمن للوصول إلي قرار جديد بخصوص العراق غير أنه تغيير ليس جوهرياً بل مجرد ديكور لفظي في حالة إعاقة العراق لعمل المفتشين الدوليين ، حيث عمدت واشنطن في مشروع قرارها الجديد علي العبارات الفضفاضه غير المنضبطه التي تحتمل أكثر من تفسير وتأويل ، والحقائق تؤكد أن القوي الكبري هي التي يؤخذ بتأويلها في الأحداث .

فرنسا :

وقد اثار مشروع القرار الأمريكي قدراً من القلق والتجاذب بين واشنطن وباريس ، حيث تلقت باريس الاستراتيجية الأمريكية تجاه العراق بقدر من التجاوب بإبقاء مجلس الأمن طرفاً في مناقشة الملف العراقي إذا تطلب عدم تعاون بغداد اتخاذ إجراءات عسكرية .

وأبدت واشنطن استعدادها للتخلي عن بنود مشروعها السابق التي تسمح للأعضاء الرئيسيين في مجلس الأمن المشاركة في عمليات التفتيش وإرسال جنود لفتح أي طريق يغلقه العراق أمام المفتشين بالقوة وسببت التحركات الفرنسية في الأمم المتحدة ومنظمة الفرانكوفونية قدراً من الاستياء الأمريكي ، إذ أعلن شيراك عدم موافقة باريس علي الأهداف الأمريكية في العراق مؤكداً أن الهدف الدولي هو نزع سلاح العراق وليس اعتقال صدام حسين .

وجاءت تصريحات شيراك بشأن العراق وعدم موافقة باريس علي الأهداف الأمريكية تجاه العراق في زيارته للقاهرة وبيروت وهو ما يحمل رسالة هامة لواشنطن مفادها أن باريس لن تقف منفرده لمواجهة السياسة الأمريكية لكنها تحاول بناء موقف دولي من الدول العربية ودول الفرانكفون ، لهذا رحبت باريس بما وصفته تأييداً دولياً واسعاً لموقفها بشأن مشكلة الأسلحة العراقية ، وأعلن فرانسوا ريفاسو المتحدث باسم الخارجية الفرنسية " إن دولاً كثيرة تؤيد موقف فرنسا الداعي لاصدار قرارين بشأن العراق في الأمم المتحدة بدلاً من القرار الصارم الذي تريده واشنطن فالمناقشات الدائرة في مجلس الأمن تظهر أن فكرة اتخاذ خطوتين تحظي بتأييد كبير .

وتريد فرنسا أن يقر مجلس الأمن قراراً دولياً يطالب بعودة المفتشين ومنحهم حرية مطلقة في التفتيش علي أن يعقبه قراراً ثانياً يتيح استخدام القوة إذ لم يبد العراق تعاوناً مع المفتشين .

تري واشنطن ان الأوراق التي تعمل باريس علي لملمتها قابلة للبعثرة في حال ممارسة واشنطن ضغوطاً علي الدول العربية أو الدول الأخري ، لهذا صبت واشنطن ضغوطها علي فرنسا متسلحة بتفويض الكونجرس الأمريكي للرئيس بوش باستخدام القوة ضد العراق ، وأعلن الأمريكيون أن صبرهم قد نفذ من فرنسا ، ودعا باول إلي إبداء حزم كبير إزاء باريس وأبلغ وزير الدفاع الفرنسي أنه يريد حسم كل شئ في أقرب وقت ممكن مؤكداً أن أي قرار يصدر ينبغي ان يوجه رسالة حازمة مفادها أن علي العراق نزع سلاحه أو تحمل العواقب الوخيمه .

وأكدت وزارة الخارجية أن باول أكد لوزيرة الدفاع الفرنسية أن الوقت قد حان لتتحرك فرنسا والواضح أن واشنطن تهدف لكسر إرادة باريس السياسية لأن ذلك يساعدها علي تطويع المواقف الدولية لصالحها، وخاصة موقف الصين وروسيا ، وكسر الحلقة السياسية المتزايدة في الدول التي تمانع الحرب ، فانضمام فرنسا إلي ألمانيا التي حسمت خيارها المبدئي من الحرب ضد العراق هو نواة قوية لتشكيل موقف أوروبي وربما دولي مناهض للتحرك الأمريكي ضد العراق .

كما أن تشدد واشنطن تجاه باريس بشأن قضية العراق يشكل عامل تخويف للدول الصغري ومنها الدول الفرانكفونية التي تتحلق حول باريس من أجل ضمان الأكثرية التي تريدها واشنطن لتحركها ضد العراق وافقاد قدرة باريس علي استخدام الفيتو ضد مشروع القرار الأمريكي عبر خلق مناخ يؤدي إلي تطويق الموقف الفرنسي ، إذ أن إدارة بوش تهدف إلي تعطيل مقدرة فرنسا علي الاعتراض علي قواعد اللعبة السياسية الدولية ، الأمر الذي يفوق في خطورته مسألة بقاء صدام أو عدمه .

روسيا :

ويأتي الموقف الروسي تجاه السياسة الأمريكية ضد العراق ليشكل حلقة أخري أقل عناداً وأقرب إلي المساومة والمقاصة في المصالح بين موسكو وواشنطن ونظراً لأن الموقف الروسي منذ الأزمة العراقية يتحدد علي أعتبار المصالح ، فإننا نلحظ قدراً من التذبذب في التصريحات والتراجع عن المواقف بل ربما الموقف المتعارض الذي يمسك العصا من المنتصف ، فطرحت روسيا أن يكون الشرق الأوسط جميعه منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل ، وهذه أول مرة تؤيد فيها موسكو تفعيل الفقرة 14 من القرار 687 والتي تنص علي أن الشرق الأوسط كله وليس العراق فقط خالياً من أسلحة الدمار الشامل ، وصرح وزير الخارجية الروسي إيفانوف أن موسكو لن تؤيد أي قرار يوفر أساساً قانونياً لسيناريوهات القوة ، وأبدي استعداداً لمناقشة قرار يفعل عمل المفتشين الدوليين .

وأبلغ إيفانوف الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان أن موسكو ستوافق علي صدور قرار جديد من مجلس الأمن إذا كان هدفه استئناف عمل المفتشين الدوليين بأسرع وقت شرط الا يتضمن القرار موافقة علي استخدام القوة دون الرجوع إلي مجلس الأمن .

كما التقي ايفانوف مع وفد الترويكا الأوروبية الذي ضم وزيري خارجية الدانمارك واليونان ومفوض الاتحاد الأوروبي وأعلن الجانبان ضرورة استخدام كل الوسائل السياسية لتسوية الملف العراقي ، وأشار إلي أن الحل العسكري يمكن أن يترتب عليه عواقب خطيره ليس علي المنطقة فحسب ولكن علي نطاق أوسع .

وفي ذات الوقت بعثت موسكوبرسالة إلي واشنطن مفادها ضرورة المحافظة علي وحدة مجلس الأمن الدولي خاصة الدول الدائمة العضوية ، ثم ما لبثت أن أعلنت أنها توافق علي استخدام القوة العسكرية ضد العراق إذا أقدمت بغداد علي المزيد من الانتهاكات شريطة موافقة مجلس الأمن .

وأمام هذا الوضع المتشابك تحركت واشنطن علي مسارين الأول إعلان أنها لا تسعي للحرب والثاني أنها لن تتخلي عن الحصول علي الحق في استخدام القوة ضد العراق .

في حوار كولن باول مع صحيفة " ذي تايمز " أكد ان واشنطن لا تسعي للحرب مع العراق لكنها تريد بطريقه أو بأخري وضع حد لبرامج أسلحة الدمار الشامل التي يطورها العراق ، وأكد أن الحرب ينبغي أن تكون خياراً أخيراً ، ومن الناحية الأخري أكد باول أن الولايات المتحدة ستحتفظ بحق استخدام القوة للدفاع عن نفسها أياً كان القرار الذي سيتخذه مجلس الأمن في شأن الأزمة العراقية وعودة المفتشين إلي بغداد ، وشدد باول علي أن واشنطن تتحرك بموجب السلطة التي منحها الكونجرس لرئيس جورج بوش والتي تخوله استخدام القوة ضد العراق ، إذا فشلت الجهود الدبلوماسية في تسوية الأزمة .

وبالتالي فإن العالم والعرب والمسلمون خاصة أمام وضع دولي يتجاوز الأزمة العراقية يتعلق بترسيخ الزعامة الأمريكية للعالم والانفراد باتخاذ القرار الدولي وهو ما يواجه باعتراضات من بعض الدول وهى وإن كانت غير صلبة إلا أن واشنطن لتليينها لذا فالأزمة العراقية محك هام لمستقبل النظام الدولي الجديد والزعامة الأمريكية فيه .

الصفحة الرئيسية