Make your own free website on Tripod.com

   الشاهد للدراسات السياسية والاستراتيجية        

   
     

 استقلالية البنك المركزى … المصداقية تسبق التشريع

مع بداية التسعينات كانت اغلب الدول التى كانت تنتهج المنهج الاشتراكى فى الاقتصاد ومن بينها مصر قد انتهت الى الاقتناع بأتباع سياسات اقتصاد السوق الذى يحد الى اقل قدر ممكن من تدخل الدولة فى النشاط الاقتصادى . من خلال تقليص حجم القطاع العام وتوسيع قاعدة الملكية الخاصة مع اتباع اسلوب التخطيط التأشيرى بدلاً من التخطيط المركزى وفى ظل مثل هذه السياسات فإن الدولة تقوم بالتدخل فى الحياة الاقتصادية من خلال القوانين والقرارات المنظمة للحياة الاقتصادية اما السياستين الفعالتين فى يد الدولة فهما السياسة المالية مثل الضرائب و. السياسة النقدية.

بالنسبة للسياسة النقدية فإنها تهدف إلى تعظيم الرفاهية الاجتماعية من خلال الحفاظ على استقرار الأسعار والحصول على أقصى مستويات الإنتاج والتشغيل التى لا تتعارض مع مستويات الاستقرار النقدى وقد يكون للسياسة النقدية أهداف أخرى كتحقيق التوازن فى الميزان التجارى وفى ميزان المدفوعات والحفاظ على استقرار الأسواق المالية وزيادة الاستثمار بما يزيد من معدلات النمو عبر الوقت ( الغندور ، 2000) ويمثل موضوع استقلالية البنك المركزى مساحة هامة فى السياسة النقدية حيث يتفق الاقتصاديون على اهمية استقلالية البنك المركزى فى رسم السياسة النقدية بما يتيح له فرصة الحفاظ على استقرار الاسعار والسيطرة على التضخم فى الاجل الطويل وبالرغم من انه قد يبدو أنه توجد اليات بديلة لتحقيق استقرار الأسعار الا ان استقلالية البنك المركزي تعد افضل الوسائل المتاحة لتحقيق هذا الهدف ،خاصة وانه يسمح باستقرار الأسعار وتحقيق اقصى مستويات الانتاج والتشغيل مقارنة بالوسائل الاخرى .

وقد اثار قرار نقل تبعية البنك المركزى المصرى الى رئيس الجمهورية مباشرة تساؤلاً حول ما المقصود بتحقيق استقلالية البنك المركزى المصرى .

فلا شك ان نقل تبعية البنك المركزى المصرى من هيئة حكومية الى اخرى لا يؤدى ولا يحقق هذه الاستقلالية حيث خلصت الدراسات الحديثة الىان تحقيق استقلالية البنك المركزى تعنى امران اساسيان هما .

استقلالية البنك المركزى فى تحديد اهداف السياسة النقدية التى سوف يقع علية عبئ اختيارها كما انها تعنى تمتعه بحرية فى تحديد أدوات السياسة النقدية اللازمة لتحقيق الهدف كما انها تعنى ايضاً استقلالية السياسة النقدية عن ارادةالسلطتين المالية والانمائية .

اذ يجب على المجتمعات اتخاذ قرارين بشان السياسة النقدية . أولهما هو مدى الأهمية التى توليها الحكومة لمكافحة التضخم وثانى هذه القرارات هو تحديد النظام النقدى لمكافحة التضخم لو تحقيق هدف او اهداف السياسة النقدية فى ظل النظام السياسى والتشريعى والاقتصادى للدوله . ويعد البنك المركزى المستقل أحد النظم النقدية المتاحة لتحقيق استقرار الاسعار .

وهذان المعياران فى تحديد درجة استقلالية البنك المركزى يشيران ضمناً الى ان مؤشرات الاستقلالية التى يتم استنباطها من اللوائح والقوانين لا تعبر عن استقلالية البنك المركزى الفعلية حيث انها لا تتعرف على تدخل الحكومة الفعلى او عدم التزام الحكومة بالقانون الذى يمنح الاستقلال على الورق فقط . وفى هذا الصدد تظهر الدراسات الحديثة ان اعطاء البنك المركزى استقلالية بتغيير التشريع فقط دون تغيير اسلوب تنفيذ السياسة النقدية او دون تحقيق استقلال الاهداف والادوات لا يحقق المصداقية المطلوبة لأستقرار الاسعار والعكس صحيح بمعنى ان اتباع البنك المركزى لسياسة نقدية تتمتع بالمصداقية لعدة سنوات قد يسبق الاستقلال التشريعى للبنك المركزى فمثلا فى فرنسا تم تحقيق اسقرار الاسعار فى منتصف الثمانينات ولم تقم فرنسا بتغيير قانون البنك المركزى سوى فى عام 1993 قبل الاشتراك فى الاتحاد الاوربى كما انة بالنسبة للولايات المتحدة ايضاً فإن استقلال البنك المركزى او الاحتياطى الفيدرالى يعد استقلال فعلى بالرغم من عدم تمتعة بالاستقلال تشريعياً . واجمالاً يمكن التأكيد على ان تنفيذ الاستقلالية بتغير التشريع الذى يحدد تبعية البنك المركزى قد لا يرتبط بالمصداقية فى اول الامر وبالتالى قد لا يؤتى الثمار المرجوه قبل عدة سنوات خاصة فى الدول التى كانت تتبع سياسة نقدية غير محكمة مثل مصر. و قد يضاف الى عوامل ضعف استقلالية البنك سيطرة الاعتبارات السياسية وتحكمها فى السياسة النقدية حيث تنجح الحكومة فى السيطرة على البنك المركزى بحيث ينفذ السياسة النقدية التى تتوافق مع اهدافها وعند ذلك تفقد استقلالية البنك المركزى وتضيع بذلك الميزة الرئيسية لاستقلال السياسة النقدية وهى ان هدف تخفيض معدلات التضخم لا يتحقق على حساب مستويات الناتج او التشغيل وعلى ذلك فإنه يجب عدم المبالغة فى تقدير قيمة الخطوة التى اتخذت بنقل تبعية البنك المركزى الى رئيس الجمهورية حيث انها وان كانت تعنى البعد بالبنك المركزى عن صراعات الاجهزة الحكومية الا انه لا يعنى تحقيق درجة اكبر من الاستقلالية للبنك المركزى كما ان التغيرات المنتظر اجراؤها تشريعياً وتمس البنك المركزى من خلال قانون البنوك الموحد حتى وان كانت ستعمل على دعم استقلالية البنك تشريعياً الا ان ذلك لايعنى – حسب التجارب التاريخية التى سبق ذكرها تحقيق استقلالية للبنك المركزى ما لم يتحقق له حرية فى تحديد اهداف السياسة النقدية وادوات تنفيذ هذه الاهداف . وفى هذا الاطار يمكن القول بان البنك المركزى المصرى يعانى من ضعف درجة الاستقلالية فبالنسبة لدور البنك المركزى فى مجال السياسة النقدية فإن قانون البنوك والائتمان رقم 163 لسنة 1957 لم يوكل للبنك المركزى مهمة تحديد السياسة النقدية بمفرده وبيان اهدافها بل اكتفى بمنحة صلاحية تنظيم وتنفيذ السياسة النقدية وفقاً للخطة العامة للدوله وبالنسبة للمسائله والمحاسبة عن السياسة النقدية فقد حدد القانون رقم 120 لسنة 1975 الىان يقدم البنك خلال 3 اشهر من انتها السنة المالية تقريراً الى وزير الاقتصاد خلال اسبوع على ان يقدم تقريراً سنوياً لمجلس الشعب عن الاوضاع المالية والائتمانية فى مصر. وفيما يتعلق بتعيين واقالة المحافظ وكبار المسئولين فى البنك المركزى فقد نص القانون على ان يتم تعيين المحافظ ونائبى المحافظ بقرار من رئيس الجمهورية بناء على اقتراح من رئيس مجلس الوزراء ويعين كلاً من المحافظ ونائبى المحافظ لمدة اربعة سنوات قابلة للتجديد ويتم تمثيل الحكومة فى البنك المركزى المصرى عن طريق ثلاث ممثلين لوزارات الاقتصاد والتجارة الخارجية والمالية والتخطيط كما نص القانون على عدم جواز اقالة المحافظ خلال مدة التعيين. واما فيما يتعلق بأستخدام ادوات السياسة النقدية فيمكن القول ان البنك المركزى المصر لدية استقلالية فى مجال استخدام ادوات السياسة النقدية فى حين تؤثر الحكومة تأثيراً كبيراً فى تحديد اهداف السياسة النقدية ومن ثم يعانى البنك المركزى المصرى من الاتى

1.   لم يمنح البنك المركزي المصرى صلاحية تحديد السياسة النقدية وانحصرت مهمته فقط فى تنظيم السياسة النقدية والاشراف على تنفيذها دون تحديدها وصياغتها مما يجعل البنك المركزى اداه من ادوات السلطة التنفيذية

2.   تعدد وظائف البنك المركزى المصرى وعدم قصرها على تحقيق الاستقرار فى قيمة العملة حيث نجد ان المادة (7) من القانون رقم 37 لسنة 1992 تحدد وظائف البنك فى احدى عشر فقرة وهو ما يعتبر مؤشر على ضعف الاستقلالية التى يتمتع بها فى ادارته للسياسة النقدية.

3.   يمارس وظائفة طبقاً للخطة العامة للدوله

4.   يعد البنك المركزى المصرى مسئولاً امام السلطتين التنفيذية والتشريعية

5.   يتم تعيين محافظ البنك المركزى ونائبيةو بتحديد مرتباتهم ومكافئتهم بقرار من رئيس الجمهورية بناء على اقتراح من رئيس الوزراء : كما يتولى رئيس مجلس الوزراء تعيين ثمانية اعضاء من مجموع خمسة عشر عضواً مما يجعل هذا المجلس جزء من الجهاز الادارى للحكومة.

ومن هنا يمكن القول بإن البنك المركزى المصرى يعانى من انخفاض درجة الاستقلال على الرغم من ان قانون البنوك المصرى قد نص على ان البنك المركزى شخصية اعتبارية لها ميزانية مستقله وتستثنى من القواعد الإدارية التى تحكم القطاع العام إلا ان الواقع العملى يشير الى عدم تحقيق هذه الاستقلالية. وان كان من الصعب تحقيق هذه الاستقلالية الا انه يمكن تحقيقها من خلال تحديد العلاقة بين الحكومة والبنك المركزى بما يخفف من فرض سيطرة الحكومة على البنك فى اتخاذ قراراته وذلك بتوافر الشروط الاتيه :-

1.     ان يكون هدف البنك محدداً تحديداً دقيقاًُ وأن يكون الهدف النهائى له تحقيق استقرار سعر الصرف

2.     منح البنك حق تحديد السياسة النقدية

3.     وضع حدود على إمكانية اقتراض الحكومة من البنك المركزى لتمويل العجز فى الموازنة

الصفحة الرئيسية