Make your own free website on Tripod.com

   الشاهد للدراسات السياسية والاستراتيجية        

   
     

الداعية المجاهد الشهيد محمد فرغلي

بقلم المستشار عبدالله عقيل

كانت بداية معرفتي بالداعية المجاهد الشيخ محمد محمد فرغلي أواخر 1949م حين قدمت إلى مصر للدراسة الجامعية حيث التقيته محدِّثاً وموجهاً للإخوان في دروس الكتائب والمعسكرات والأسر والرحلات، فقد كانت مجموعة من قادة الإخوان تتعاقب عليها أمثال: البهي الخولي، وعبدالعزيز كامل، ومحمد فرغلي، ومحمد عبدالحميد أحمد، ومحمد الغزالي، وسيد سابق، وغيرهم.

وكنت أرى في الشيخ فرغلي المهابة والوقار، وعزة المؤمن، وفقه المجاهد، يتكلم بهدوء وبعبارات موجزة بسيطة العبارة، عظيمة الدلالة، عميقة المغزى، فيها الحنان والعطف والحب للإخوان، والثقة والطمأنينة بما عند الله من نصر لهذا الدين ولعباده المؤمنين إن هم صدقوا مع الله وأخلصوا النية له.

وكان يهوِّن من شأن أعداء الله من الإنجليز واليهود وغيرهم من الأعوان والمأجورين، ويصفهم بأنهم عبيد المادة والهوى والشهوات والشبهات، ويؤكد أن مناهج التربية لدى الإخوان هي الكفيلة بصياغة المسلم الحق، لأنها مستقاة من الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة، وهي الكفيلة بإعداد الجيل المؤمن المجاهد، الذي يتصدى للكفر بكل أنواعه دونما خوف أو وجل، وأن الميدان اليوم يتطلب حشد الألوف من الشباب المؤمن، من جميع أنحاء العالم الإسلامي ليملؤوا الساحة ويتصدوا للمفسدين في الأرض الذين وجدوا الميدان خالياً فصالوا وجالوا، وعاثوا في الأرض فساداً، وانتفش باطلهم، وعلا صوتهم، وتجرؤوا على الدين وأهله وساموا الأمة الخسف والهوان، لأن الشعوب عزلاء، مجردة من سلاح الحق والقوة، يتحكم في رقابها أذناب الاستعمار وعملاؤه من الحكام المرتزقة، الذين يدورون في فلك الأعداء، وينتصبون لحرب الدعاة إلى الله، والوقوف أمام دعوة الحق والقوة والحرية، دعوة الإسلام العظيم، التي جدد أمرها في أرض الكنانة مجدد القرن الرابع عشر الهجري الإمام الشهيد حسن البنا.

في مواجهة الطغاة

كان الشيخ المجاهد محمد فرغلي رجل عميق الإيمان شديد المراس، قوي العزيمة زاهد في المظاهر، يؤثر العمل على القول، يحب الناس جميعاً، ويتفانى في خدمتهم وبخاصة الضعفاء منهم، حيث يقف إلى جانبهم لأخذ حقوقهم ورفع الحيف والظلم عنهم.

يتصدى للظالمين والطغاة، والمتسلطين على الضعفاء، ويجالدهم بكل قوة وصلابة، فكانوا يخشونه أشد الخشية، ويحسبون له ألف حساب، وكان مجرد ذكر اسمه يُرعب الإنجليز واليهود والعملاء، وقد وضعوا الجوائز الكبيرة لمن يعثر عليه ويسلمه لهم حياً أو ميتاً.

وكان إخواني الزملاء في الجامعة، يحدثونني عن هذا الرجل الفذ، والداعية المجاهد، وعن محبة الإمام البنا له، وثقته به، واعتماده على الله ثم عليه في المهمات العظام والأحداث الجسام، فكان نعم الرجل في كل موقع ومهمة.

إن الشيخ فرغلي كان جزءاً مهماً من تاريخ حركة الإخوان المسلمين العالمية منذ نشأتها والتحاقه المبكر بها إلى أن أكرمه الله بالشهادة على يد فرعون مصر الطاغية عبدالناصر.

ولقد كان الإخوان المسلمون شيوخاً وشباباً، ينظرون لهذا الرجل العظيم، نظرة الإكبار والإجلال، والحب والوفاء، لما يتمتع به من خصال الخير وصفات الرجولة.

وكانت أحاديثه في مخيمات الإخوان وكتائبهم ومعسكراتهم وأسرهم، تأخذ بمجامع قلوب السامعين، لما يجدونه فيها من الصدق والوضوح، والبساطة والحلاوة والإيمان والإخلاص، فحديثه حديث القلب إلى القلوب ومناجاة الروح للأرواح، يثير العواطف، ويحرك المشاعر، ويدعو للعمل الجاد الدؤوب في سبيل الله ومن أجل المستضعفين في الأرض، ويوضح لجماهير الإخوان أن أعداء الإسلام من اليهود والصليبيين والمستعمرين هم أتفه وأحقر من أن يصمدوا أمام عزائم الرجال المؤمنين ، وأن تجارب الحرب معهم في فلسطين، كشفت عن جبنهم وتخاذلهم، وهشاشة قوتهم، فكانوا يفرون كالفئران المذعورة أمام مجاهدي الإخوان المسلمين، ولولا المؤامرات الدولية الكبرى، وتخاذل بعض الأنظمة في ديار العرب والمسلمين لما ضاعت فلسطين، ولما كان للإنجليز أو الفرنسيين أو الأمريكان وجود في البلاد الإسلامية.

يقول الأستاذ عباس السيسي في كتابه القيم "في قافلة الإخوان المسلمين": "... لقد كان الشيخ محمد فرغلي داعية من دعاة الإسلام ومن الرعيل الأول من الإخوان المسلمين، عمل مع الإمام الشهيد حسن البنا منذ بدأ دعوته في مدينة الإسماعيلية، واختاره الإمام الشهيد لمسؤوليات كبار، فكان عند حسن الظن، حيث شمر عن ساعد الجد، وسط مدينة كانت ترابط حولها من كل جانب قوات الاحتلال البريطاني، فجعل الأرض تميد من تحت أقدامهم..." ويتحدث الإمام الشهيد حسن البنا في "مذكرات الدعوة والداعية" عن الشيخ فرغلي فيقول: ".... حين تمَّ بناء المسجد، الذي طالب به عمال الشركة بالجباسات بالإسماعيلية انتدب للإمامة والتدريس فضيلة الأخ المفضال الأستاذ الشيخ محمد فرغلي المدرس بمعهد حراء حينذاك.

وصل الأستاذ فرغلي وتسلَّم المسجد، وأعدّ له سكن خاص بجواره، ووصل روحه القوي المؤثر بأرواح هؤلاء العمال الطيبين، فلم تمض عدة أسابيع وجيزة حتى ارتفع مستواهم الفكري والنفساني والاجتماعي ارتفاعاً عجيباً، لقد أدركوا قيمة أنفسهم، وعرفوا سمو وظيفتهم في الحياة وقدَّروا فضل إنسانيتهم، فنزع من قلوبهم الخوف والذل والضعف والوهن، واعتزوا بالإيمان بالله وبإدراك وظيفتهم الإنسانية في هذه الحياة ـ خلافة الله في أرضه ـ فجدوا في عملهم اقتداءً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"، عفُّوا عما ليس لهم، فلم تأسرهم المطامع التافهة، ولم تقيدهم الشهوات الحقيرة، وصار أحدهم يقف أمام رئيسه عالي الرأس في أدب، شامخ الأنف في وقار، يحدثه في حجة ومنطق، لا يقول ولا يقبل منه كلمة نابية، أو لفظة جافية، أو مظهراً من مظاهر التحقير والاستصغار، كما كان ذلك شأنهم من قبل، وتجمعوا على الأخوة، اتحدوا على الحب والجد والأمانة، ويظهر أن هذه السياسة لم تعجب الرؤساء وقرروا أنه إذا استمر الحال على ذلك ستكون السلطة كلها لهذا الشيخ، ولن يستطيع أحد بعد ذلك أن يكبح جماحه وجماح العمال.

 

ظنَّ الرؤساء هذا في الشركة، وفكَّروا في إقصاء هذا الشيخ القوي الشكيمة عن العمل، وأرسل إليه الرئيس المباشر، فلما توجه إليه قال له: إن المدير أخبرني بأن الشركة قد استغنت عن خدماتك وأنها تفكِّر في انتداب أحد العمال للقيام بعملكم في المسجد، وهذا حسابكم إلى اليوم حسب أمر المدير.

فكان جواب الشيخ له بكل هدوء: ما كنت أظن "مسيو فرانسوا"، أنني موظف بشركة جباسات البلاح، لو كنت أعلم هذا ما قبلت العمل معها، ولكني أعلم أنني موظف من قِبَلِ الإخوان المسلمين بالإسماعيلية، وأتقاضى راتبي منهم محولاً عليكم، وأنا متعاقد معهم لا معكم على هذا الوضع، وأنا لا أقبل منك مرتباً ولا حساباً، ولا أترك عملي في المسجد ولا بالقوة، إلا إذا أمرني بذلك رئيس الجمعية التي انتدبتني هنا، وهو أمامكم بالإسماعيلية اتفقوا معه كما تريدون، واستأذن وانصرف.

حجـة معقولـة

ويضيف الإمام البنا في مذكراته: "وسقط في يد إدارة الشركة وصبرت أياماً، لعل الشيخ يطلب منها مرتبه، ولكنه كان قد اتصل بي في الإسماعيلية فأوصيناه بالتمسك بموقفه وألا يدع مكانه بحال، وحجته معقولة ولا شيء لهم عنده، لجأت الشركة إلى الإدارة، واتصل مديرها "المسيو ماينو" بمحافظ القنال الذي اتصل بدوره بالمأمور بالإسماعيلية وأوصاه أن يقوم على رأس قوة لعلاج الموقف، وحضر المأمور ومعه قوته، وجلس في مكتب المدير، وأرسل في طلب الشيخ الذي اعتصم بالمسجد وأجاب الرسول: لا حاجة لي عند المأمور، ولا عند المدير وعملي بالمسجد، فإذا كان لأحدهما حاجة ليحضر لي، وعلى هذا فقد حضر المأمور إلى الشيخ، وأخذ يطلب إليه أن يستجيب لمطالب المدير، ويترك العمل ويعود إلى الإسماعيلية، فأجاب بمثل ما تقدم، قال له: تستطيع أن تأتيني من الإسماعيلية بكلمة واحدة في خطاب فأنصرف، ولكنك إذا أردت استخدام القوة، فلك أن تفعل ما تشاء، ولكني لن أخرج من هنا إلا جثة لا حراك بها، ووصل النبأ إلى العمال، فتركوا العمل في لحظة واحدة، وأقبلوا متجمهرين صاخبين، وخشي المأمور العاقبة فترك الموقف وعاد إلى الإسماعيلية، واتصل بي للتفاهم على الحل، ولكني اعتذرت له، بأنني مضطر إلى التفكير في الأمر، وعقد مجلس إدارة الجمعية للنظر ثم أجيبه بعد ذلك، وفي هذه الأثناء يؤسفني أن أقول إنني حضرت إلى القاهرة لمقابلة العضو المصري الوحيد في مجلس إدارة الشركة، فوجدت منه كل إعراض عن مصالح العمال، وكل انحياز إلى آراء الشركة ومديرها، وكل تجرد من أي عاطفة فيها معنى الغيرة الوطنية.

قابلت بعد ذلك مدير الشركة، وسألته عما ينقمه من فضيلة الشيخ، فلم أجد عنده إلا أنهم يريدون شخصاً يستسلم لمطالبهم، وكان من كلامه كلمة لا أزال أذكرها: "إنني صديق للكثير من زعماء المسلمين، ولقد قضيت في الجزائر عشرين سنة، ولكني لم أجد منهم أحداً كهذا الشيخ، الذي ينفذ علينا هنا أحكاماً عسكرية كأنه جنرال تماماً".

فناقشته في هذا الكلام وأفهمته أنه مخطئ، وأن الشركة هي التي تقسو على العمال وتنقص من حقوقهم، وتستصغر إنسانيتهم، وتبخل عليهم، وتقتِّر في أجورهم، في الوقت الذي يتضاعف ربحها، ويتكدس، وأن من الواجب علاج هذه الحال بعلاج نظم هذه الشركات، ووجوب قناعاتها باليسير من الربح، واتفقنا أخيراً على أن يبقى الأستاذ الشيخ فرغلي شهرين حيث هو، وأن تقوم الشركة بتكريمه عند انتهاء هذه المدة، وأن تطلب رسمياً من الإخوان من يحل محله من المشايخ، وأن تضاعف للشيخ الجديد راتبه، وتعنى بسكنه ومطالبه، وفي نهاية المدة عاد فضيلة الشيخ فرغلي وتسلم مكانه فضيلة الأستاذ شافعي أحمد، واستمرت الدعوة تشق طريقها، في هذه الصحراء بسم الله مجريها ومرساها". انتهى.

الجهاد في فلسطين

لقد كان الشيخ محمد فرغلي من المبادرين إلى الجهاد في فلسطين 1948م، حيث دخلها على رأس قوة من مجاهدي الإخوان المسلمين، فقد أعلن الإمام حسن البنا أن تحرير فلسطين عن طريق المجاهدين المؤمنين، أقرب منه عن طريق الجيوش النظامية، التي يُحكم الاستعمار قبضته حول أعناقها، ورغم أن حكومة النقراشي أحكمت قبضتها على الحدود لمنع المجاهدين من التسلل إلى فلسطين، ورغم أن الاحتلال البريطاني لفلسطين، أغلق الحدود الفلسطينية في وجه المجاهدين، لكن مجاهدي الإخوان المسلمين أمكنهم التسلل واختراق كل الحواجز والدخول إلى فلسطين، ليقفوا إلى جانب إخوانهم المجاهدين الفلسطينيين، وكان الشيخ محمد فرغلي من أبرز قادة الإخوان المسلمين الذين شرعوا بتدريب إخوانهم الفلسطينيين، وشاركوهم في اقتحام مواقع اليهود، وأقضّوا مضاجعهم، وهاجموا مستعمراتهم.

بطـولات ...

ومن أعمال الشيخ فرغلي البطولية في فلسطين، أنه خرج وثمانية من إخوانه المجاهدين وراء خطوط اليهود، وتسللوا إلى مستعمرة قرب الفجر، وصعد الشيخ فرغلي أعلى مكان فيها، وأذن الفجر، وظنَّ اليهود أن الإخوان المسلمين داهموهم بليل، فولوا الأدبار هاربين وفي مقدمتهم حراس المستعمرة، وفي الصباح سلَّم مجاهدو الإخوان المستعمرة إلى الجيش المصري دون استخدام سلاح أو إراقة دماء، وهكذا كانت جرأة الشيخ فرغلي وشجاعته وإقدامه، وإلى هذا الحد كان خوف اليهود وهلعهم من الإخوان المسلمين.

وفي سنة 1951م ألغت الحكومة المصرية معاهدة 1936م مع بريطانيا، فقابل الإنجليز الأمر باستخفاف، ونزل الشيخ فرغلي وإخوانه إلى المعركة بعزم وصدق وجلد على ضفاف قناة السويس، مما جعل الزعيم البريطاني "تشرشل" يطلق تصريحه المشهور في لندن حيث قال: "إن عنصراً جديداً قد نزل إلى ساحة المعركة".

وقد دارت معارك طاحنة بين الفدائيين المصريين وقوات الاحتلال البريطاني، على أرض القناة وفي معسكرات التل الكبير، ووسط ثكنات الجيش البريطاني، وفي بورسعيد والإسماعيلية والسويس، حيث سالت الدماء وفاضت أرواح الشهداء، وتأكد للإنجليز أن بقاءهم لن يطول أمام هذا العنصر الجديد الذي دخل المعركة من مجاهدي الإخوان المسلمين، وكانت المواقف البطولية للشيخ المجاهد محمد فرغلي تزرع الرعب في قلوب الإنجليز، مما دفعهم لإعلان جائزة كبرى ثمناً لرأسه حياً أو ميتاً، ولكنهم لم يفلحوا.

لقد كان الداعية المحنك الشيخ المجاهد محمد فرغلي هو رئيس الإخوان المسلمين بمنطقة الإسماعيلية، وكان ساعده الأيمن الذي يشد أزره، هو المجاهد الجسور يوسف طلعت، وكان الاثنان مصدر الخوف والرعب لقوات الاحتلال البريطاني بالقناةعبد الناصر يحاول الوقيعة يقول الأستاذ كامل الشريف في كتابه القيم "المقاومة السرية في قناة السويس": ".... لقد عرفت الشيخ محمد فرغلي ـ أول ما عرفته ـ يوم كان يرافق الإمام الشهيد حسن البنا في جولته على خطوط القتال في فلسطين، ثم توثقت بيننا عرى الأخوة، حين عملنا سوياً، خلال الحملة الفلسطينية، فازددت به معرفة وإعجاباً، فقد كان من الصنف الذي يفرض عليك ـ رغم تواضعه الشديد وأدبه الجم ـ أن تحترمه وتقدِّره، وكان مفتاح شخصيته هو "الترفع" الترفع عن الصغائر، والترفع عن الخصومات، والترفع عن كل ما يشين، وكان شديد الحرص على سمعة الدعوة ونظمها، غيوراً إلى أبعد الحدود، على هيبتها وكرامتها، وأذكر أن الشيخ فرغلي وأنا، كنا نمثِّل الإخوان في لقاء بمكتب البكباشي عبدالناصر، وكان وقتها وزيراً للداخلية في وزارة محمد نجيب، وقد ضم الاجتماع رجال الانقلاب: عبدالحكيم عامر، وصلاح سالم، وحسين كمال الدين، فأراد ضباط الانقلاب، أن يوقعوا بين الشيخ فرغلي، والمرشد العام الهضيبي بذكرهم جهاد الشيخ فرغلي في فلسطين والقناة، وثنائهم عليه، والنيل من شخص المرشد العام، فما كان من الشيخ فرغلي، إلا أن قطع عليهم الحديث وقال غاضباً: "يجب أن تدركوا أن هذا الذي تتحدثون عنه هو زعيمنا وقائد جماعتنا، وإنني أعتبر حديثكم هذا إهانة للجماعة كلها ولشخصي بصفة خاصة، وإذا كان هذا أسلوبكم فإنكم لن تصلوا إلى شيء"، فكان هذا القول كافياً لإقناعهم أنهم أمام رجل صلب العود، قوي الشكيمة، فانصرفوا بالحديث إلى جهة أخرى. ولم يكن الشيخ فرغلي من ذلك النوع من شيوخ الدين، الذين يتعلقون بالقشور ويبحثون عن المناصب والمراكز، ولكنه كان مجاهداً بحق، وحسبه أنه ترك وظيفته وأهله، وذهب إلى فلسطين مع رجال جماعته من المجاهدين، وحين نشبت معركة قناة السويس، ترك أهله مرة أخرى واندمج بكليته في المعركة". ويستطرد كامل الشريف: "وحين بدأ الإنجليز التحرش بأهالي منطقة القناة، والتعدي على الناس، عمَّت المظاهرات الشعبية المنطقة كلها، وانعقد مؤتمر كبير بالإسماعيلية برئاسة الشيخ محمد فرغلي حيث تقرر فيه التصدي للإنجليز بالقوة ومقاومتهم وضربهم في أوكارهم ومعسكراتهم، وقد حمل الشيخ فرغلي هذا القرار بوصفه رئيس المؤتمر إلى مكتب الإرشاد العام للإخوان المسلمين بالقاهرة، وقد أعلن إضراب عام للعمال العاملين في قناة السويس وأضرب التجار عن إمداد الجيش الإنجليزي بالمواد التموينية، واندفع الشعب يساند مجاهدي الإخوان المسلمين، لمناجزة الإنجليز ومحاربتهم، وقد قتل الإخوان الكثير من جنود الإنجليز، وجرحوهم ودمروا الكثير من المنشآت العسكرية، والجسور والدبابات والمصفحات، فخاف الجنود وأعلنت حالة الطوارئ عندهم ومُنعوا من الخروج من معسكراتهم بعد الغروب، وانكسرت هيبتهم أمام الناس، وصار الأطفال يرمونهم بالحجارة، وتحمَّس بعض ضباط الجيش المصري واندفعوا مع الإخوان يدرِّبون الشباب على أنواع الأسلحة وفنون القتال، وقد أتيح لي شخصياً أن أحضر اجتماعات متعددة، كانت تعقد ـ في منزل الشيخ محمد فرغلي بالإسماعيلية ـ يحضرها بعض الضباط المصريين وبعض قادة الإخوان المسلمين، وكان الشيخ فرغلي ويوسف طلعت يحسب لهما الإنجليز وأعوانهم حساباً شديداً، ويرصدون تحركاتهما من خلال الجواسيس والعملاء المأجورين، وقد نشرت مجلة "روزاليوسف" حديثاً مطولاً للشيخ فرغلي مع مندوبها وقد وصفته المجلة بأنه الشيخ الغامض الذي يحسب له الإنجليز ألف حساب، حيث قال في حديثه للمجلة: "إن الإخوان المسلمين لا يستطيعون الكف عن محاربة الإنجليز حتى يتمّ جلاء القوات البريطانية، وإن أفضل طريقة أمام القيادة البريطانية لحماية جنودها هي سحبهم من قناة السويس" انتهى. هذا هو الشيخ فرغلي، الذي عرفته منذ كنت طالباً في السنة الأولى بجامعة الأزهر إلى أن تخرجت فيها، وهذا هو البطل الفذ، والمجاهد الشجاع، والداعية الحكيم، الذي دوَّخ اليهود والإنجليز، وتلك هي سيرته العطرة وتاريخه المجيد. وها هو الطاغية عبدالناصر يتطوَّع بتقديم رأس الشيخ على حبل المشنقة إرضاء لسادته اليهود والإنجليز والأمريكان والروس، هدية مجانية مع إخوانه الشهداء الخمسة الذين أعدموا جميعاً يوم 7-12-1954م، حيث وقف الشيخ المجاهد شامخ الرأس أمام حبل المشنقة، باسماً في إقدام، فرحاً في إيمان، مردداً قول من سبقوه من إخوانه وهم يمضون في طريق الشهادة، وعجلت إليك رب لترضى، وقال قولته الشهيرة: "إنني مستعد للموت فمرحباً بلقاء الله"، وصدق الله العظيم إذ يقول: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى" نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا 23. (الأحزاب). ولقد أوردت مجلة "باري ماتش" الفرنسية في عددها الصادر يوم 8-12-1954م الخبر التالي: "في الساعة السادسة من صباح يوم أمس 7-12-1954م رفع العلم الأسود على سجن القاهرة وسيق المحكوم عليهم بالإعدام يسيرون بأقدام عارية، وملابس الإعدام الحمراء، وبدأ تنفيذ الأحكام في ستة من الإخوان المسلمين هم: "محمود عبداللطيف، يوسف طلعت، هنداوي دوير، إبراهيم الطيب، محمد فرغلي، عبدالقادر عودة"، الساعة الثامنة، وقد ذهب المحكوم عليهم إلى المشنقة بشجاعة منقطعة النظير، وهم يحمدون الله على حصولهم على شرف الشهادة، وقال الشيخ محمد فرغلي: "أنا على استعداد للموت مرحباً بلقاء الله" انتهى. ولقد عم العالم العربي والإسلامي موجة من السخط الشديد، والاستنكار الغاضب، وأعلن الحداد في بلاد الشام وغيرها، على هؤلاء الشهداء، ونكتفي بإيراد مقتطفات من كلمة الأستاذ الكبير علي الطنطاوي التي أذيعت من دمشق ونشرت في عدد من الصحف العربية والإسلامية حيث قال: "لو كان الأمر لي، لما جعلته يوم حداد، بل يوم بشر وابتهاج، ولما صيَّرته مأتماً بل عرساً، عرس الشهداء الأبرار على الحور العين، ولما قعدت مع الإخوان أتقبل التعزيات بل التهنئات، وهل يرجو المسلم إلا أن يموت شهيداً؟ وهل يسأل الله خيراً من حسن الخاتمة؟، إني لأتمنى ـ والله شاهد على ما أقول ـ أن يجعل منيتي على يد فاجر ظالم فأمضي شهيداً إلى الجنة، ويمضي قاتلي إلى النار، فتكون مكافأتي سعادتي به، ويكون عقابه شقاؤه بي. هذا هو العقاب لا عقابك يا جمال، عقاب الناصر لأوليائه، القاهر فوق أعدائه، الذي ستقف أمامه وحدك ليس معك جيشك ولا دباباتك ولا سلاحك، ولا عتادك، تساق إليه وحيداً فريداً، ليسألك الله عن هذه الدماء الزكية فيم أرقتها؟ وعن هذه الأرواح الطاهرة فيم أزهقتها؟ وعن هاتيك النساء القانتات الصابرات فيم رملتهن؟ وعن أولئك الأطفال البرآء، فيم يتمتهم؟ وعن هذه الجماعة الداعية إلى الله المجاهدة في سبيله، فيم شمَّت بها أعداء الله ورسوله؟ فإن كان عندك دفاع فأعده من الآن، لتدلي به أمام محكمة الجبار، التي لا تحكم بالموت شنقاً، بل بالحياة الدائمة في النار، التي يصغر الشنق ألف مرة من عذاب لحظة منها، يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا حزب ولا أعوان ولا سيف ولا سلطان، يوم تتبدل الموازين وتتغير المقاييس ويكون الفضل للفاضل، والصدر للصالح، وتنزل ملوك وتعلو سوقة، يوم ينادي المنادي لمن الملك اليوم؟ للطغاة! للبكباشية! لسادة بكنجهام والبيت الأبيض والكرملين! كلا، إنه لله الواحد القهار. فهل تجد لك طريقاً لا يمر بك على المحشر؟ ولا يقف بك موقف الحساب؟ هل تعرف ملكاً تفر إليه؟ ولقد حكم مصر من قبلك فاروق ومن قبله المماليك ومن قبلهما فرعون وهامان فأين اليوم فرعون والمماليك وفاروق؟ أين من طغى وبغى وقال أنا ربكم الأعلى؟ لقد ساروا جميعاً في ركاب عزرائيل، تشيعهم دعوات المظلومين" انتهى. رحم الله شهيدنا الشيخ محمد فرغلي ورحم الله كوكبة الشهداء الذين أعدموا معه والذين سبقوهم ولحقوا بهم ورحمنا الله معهم وجمعنا بهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، والحمد لله رب العالمين