Make your own free website on Tripod.com

   الشاهد للدراسات السياسية والاستراتيجية        

   
     

عز الدين القسَّام

القسَّام.. بلاغة الشهداء

حين ترجّل الشيخ عز الدين القسَّام عن أكف مشيعيه وأعناقهم، ووسِّد لحده ألقى خطبته الأخيرة؛ فدوَّت كلماته الصامتة في سمع الزمان ولا زالت، فالرجل الذي تنقل بين مصر وسوريا وفلسطين خطيبًا مفوهًا وعالمًا شرعيًا ينشر الهدى والتعاليم السمحة، غدا مفجر أول ثورة فلسطينية مسلحة ضد الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية.

وفي اليوم التالي للجنازة كتب الأستاذ والمؤرخ الفلسطيني أكرم زعيتر يقول: "لقد سمعتك قبل اليوم خطيبًا مفوهًا، تتكئ على السيف وتهدر من فوق المنبر، وسمعتك اليوم خطيباً تتكئ على الأعناق، ولا منبر تقف عليه، ولكنك والله اليوم أخطب منك حيًا".

باستشهاده غدا الشيخ عز الدين القسَّام مَعْلمًا بارزًا من معالم المقاومة الفلسطينية وواضع أسس المقاومة المسلحة، وكان الشيخ وهو من مواليد بلدة جبلة جنوب مدينة اللاذيقية السورية عام 1882م قد وصل فلسطين في عام 1921م عقب فشل ثورة جبال العلويين (1919- 1920م) السورية ضد الاحتلال الفرنسي، والتي أبلى فيها الشيخ القسَّام بلاءً حسنًا دفع الفرنسيين لمحاولة مهادنته من خلال شرائه، فعرضوا عليه القضاء لشراء ولائه، غير أنه رفض، فأصدر الديوان العرفي عليه حكمًا غيابيًا بالإعدام.

نشأ القسَّام في بيت علم وتُقى، وأمَّ الجامع الأزهر وهو في الرابعة عشر من عمره، وتلقّى العلوم الشرعية فيه على يد مجموعة من أبرز أئمة الجامع، ومنهم الشيخ محمد عبده، وحين غادر الأزهر الشريف في عام 1903م كان القسَّام يحمل شهادة الأهلية وآثارًا غائرة في نفسه خلفتها سنوات الدراسة في الأزهر بؤرة العمل الوطني في مصر خلال واحدة من أكثر مراحل تاريخها غليانًا.

وحين عاد إلى "جبلة" تولّى الإشراف على "كُتاب" والده لتعليم الصبية القرآن الكريم وعلومه، كما عمل في الوقت نفسه خطيبًا في المسجد المنصوري، وغدا موضع احترام العامة وتقديرهم، وحين نزلت القوات الإيطالية على سواحل ليبيا قاد الشيخ القسَّام التظاهرات، وحرّض الجماهير على التطوع لمقاتلة الإيطاليين، وانتقى لهذه الغاية 250 شابًا من أهالي "جبلة" للسفر معه إلى ليبيا، غير أن السلطات العثمانية منعت القسَّام ورجاله من السفر مجاهدين دفاعًا عن ليبيا.

وحين اندلعت ثورة الشيخ صالح العلي ضد الاستعمار الفرنسي ترك الشيخ القسَّام قريته على الساحل السوري، وهاجر مع أسرته إلى قرية "الحفة" الجبلية ذات الموقع الحصين لمواصلة نشاطه مع الثوار، وظل يكر منها ويفر إليها رغم تشديد الملاحقة الفرنسية ضده، حتى إذا فشلت الثورة واستتبت الأوضاع مؤقتاً للمحتل الفرنسي نقل الشيخ عز الدين القسَّام مرة أخرى أسرته، ويمَّم وجهه شطر فلسطين.

وفي حيفا عمل مدرسًا وإمامًا لمسجد الاستقلال، وفي إطار سعيه للنضال انتسب لجمعية الشبان المسلمين، وأصبح رئيسًا لها عام 1926م، واستثمر تعيينه مأذونًا شرعيًا في التعرف على الناس وعاداتهم وأخبارهم، وهو أمر ساعده كثيرًا في وقت لاحق لتشكيل منظمته السرية.

وقد استشعر الشيخ القسَّام مبكرًا خطر الحركة الصهيونية ورأى بفكره الثاقب ضرورة ضرب قاعدة هذا الخطر ممثلة بالاستعمار البريطاني، وذلك في وقت كانت الزعامات والأحزاب الفلسطينية تسعى لمفاوضة بريطانيا وتتجنب مواجهتها.

وجدت تجربة القسَّام الثورية في جبال العلويين تعبيرًا عمليًا لها في فلسطين، فقد آمن الرجل أن لا سبيل للتحرر إلا السلاح، ولا حل للقضية الفلسطينية إلا عن طريق الجهاد، أما الأحزاب السياسية -وكانت في معظمها أحزاب عائلات وزعامات إقطاعية- فهي ضرب من العبث والألاعيب ما لم تكن قائمة على الإيمان الصحيح، أما نظرته للمركز والجاه فكانت كما يروي رفاقه نظرة بغضاء مطلقة، وصفه أحد أصدقائه بعد استشهاده فقال: "هذا الرجل كانت عنده النعمْ نعمْ، والـ لا لديه لا".

ورغم ريادته في تشكيل منظمة مسلحة تخوض غمار المواجهة ضد المحتل إلا أن المؤرخين الذين أرّخوا لمنظمته أجمعوا على أنه نجح في تجاوز أخطاء البدايات، فأثنَوْا على دقة تنظيمه، وقدراته الفائقة على الاختيار، والكتمان الشديد. لقد آمن القسَّام أن الاكتفاء بالإضرابات والتظاهرات الاحتجاجية لا يخلف إلا الضوضاء والشهداء والمعتقلين؛ فيما العربة الصهيونية تمضي بهدوء وصمت تحت حراسة حراب المحتل ورعايته، فانطلق يعمل على إعداد الجماهير نفسيًا للثورة، وساعده في ذلك عدد من المجاهدين العرب من أمثال الشيخ كامل القصاب (سوري) وهاني أبو مصلح (لبناني)، فكانت أنشطته العلنية في الوعظ والتدريس ستارًا لعمله الأساسي في بناء الثورة، واختيار الصالحين لها من بين تلاميذه ومستمعيه، وأعانه عمله مأذونًا شرعيًا على ارتياد القرى المجاورة والتعرف إلى أهلها وعقد صلات معهم، وهكذا مرت السنوات وتكاثر أتباعه المؤمنون بدعوته، وقد كان يختار هؤلاء بعد اختبار يمتد لسنوات، وشرط الانضمام أن يشتري المجاهد سلاحه الأول من ماله الخاص ليكون بذل المال تدريبًا عمليًا على الاستعداد لبذل الروح في سبيل الله.

لم يسم القسَّام منظمته؛ إذ لم ينشغل بالعناوين، أما الهدف فتلخصه كلمات الشيخ الموجزة لتلاميذه وأنصاره: "هذا جهاد: نصر أو استشهاد"، فالدرب درب بذل ومغارم دنيوية، لا موقع فيه للمغانم الزائلة.

أمضى الشيخ القسَّام سنين طويلة في اختيار العناصر وإعدادها وتربيتها على التعاليم الإسلامية، ورفض الانجرار للمعركة قبل استكمال الاستعداد، مما أحدث انقسامًا ظل طي الكتمان في منظمته من جراء رفضه إعلان الثورة ردًا على أحداث حائط البراق 1929م.

آمن الشيخ القسَّام بالفلاحين والعمال؛ لأنهم أكثر الفئات استعدادًا للتضحية، وذهب أبعد من ذلك في مخالفة قادة الأحزاب النخبوية، فآمن ليس فقط بالطبقات الكادحة بل وبالمنحرفين منها، فقد آمن أن جرأة السارق والقاتل والمنحرف قابلة للتحول إلى شجاعة حقيقية وثورة صالحة إذا ما ارتد هذا المنحرف عن غيه وآمن بالله وبالجهاد في سبيله.

يروي حسن الباير أحد رفاق القسَّام الذين اعتقلوا عقب معركة "أحراش يعبد" تجربته مع القسَّام بقوله: "أنا من قرية بلقيس وكنت من قبل أسرق وأرتكب المحرمات فجاءني المرحوم الشيخ عز الدين القسَّام، وأخذ يهديني ويعلمني الصلاة، وينهاني عن مخالفة الشرع الشريف وأوامر الله تعالى. وقبل مدة أخذني المرحوم الشيخ عز الدين إلى أحد جبال بلقيس وهناك أعطاني بندقية، فسألته لم هذه؟ فأجاب لأجل أن تتمرن عليها وتجاهد مع إخوانك في سبيل الله".

توالي الهجمات وفي منطقة جغرافية محددة أدى إلى تشديد الرقابة على القسَّام ورجاله، خاصة بعد اعتقال بعضهم، ولتجنب حملة اعتقالات تطاله وأركان المنظمة الناشئة قرر القسَّام ونحو عشرة من رفاقه مغادرة حيفا نحو أحراش يعبد قرب مدينة جنين، ويعتقد أن القسَّام أراد استكمال مرحلة الدعوة إلى الثورة من مكمنه، غير أن خللاً وقع فيه حارس المجموعة كما تروي بعض المصادر أفضى إلى مصرع جندي بريطاني، ولفت أنظار قوات الاحتلال التي حاصرت الموقع؛ حيث دارت معركة رفع خلالها القسَّام شعاره الشهير "موتوا شهداء"، وانتهت باستشهاده واستشهاد الشيخ يوسف عبد الله الذيباوي، وهو من أهالي قرية الذيب قضاء عكا، وسعيد عطية أحمد وهو مصري، ومحمد أبو قاسم خلف، فيما اعتقل الشيخ حسن الباير، والشيخ أحمد جابر، وعربي البدوي، والشيخ محمد يوسف، وجرح الشيخ نمر السعدي، واعتقل.

استشهاد القسَّام كان دفقة الدم التي سرت في كلمات مواعظه، فالرجل وإن حصر نشاط دعوته في منطقة واحدة -مما أسهم في إجهاض بواكيرها- إلا أن موته نشر الفكرة التي جاهد من أجلها طويلاً، فغدا القسَّاميون بالآلاف، وقاد من تبقّى من رفاقه المجموعات السرية التي قادت الثورة الفلسطينية خلال الأعوام 1936 - 1939م.

خروج القسَّام واستشهاده كان صفعة مدوية على وجوه الزعامات التي أنهكتها الصراعات والتكالب على المكاسب، فجرفتها عن المصلحة الوطنية الحقيقية، فهي لم تخرج في جنازته بل سارعت إلى لقاء المندوب البريطاني لتحذيره من أن عدم التجاوب مع مطالبهم السياسية سيقوِّض نفوذهم الجماهيري، ويؤدي إلى انتشار الأفكار المتطرفة في صفوف الجماهير