Make your own free website on Tripod.com

   الشاهد للدراسات السياسية والاستراتيجية        

   
     

البطل الجسور الشهيد يوسف طلعت

بقلم عبدالله عقيل -المستشار

هو الأخ الكريم، والمجاهد الصادق، والجندي الملتزم، والبطل الجسور، يوسف عز الدين محمد طلعت، من مواليد مدينة الإسماعيلية بمصر، في شهر أغسطس 1914م، وكانت بداية معرفتي به في القاهرة مع بعض إخواني الطلبة الذين حدَّثوني عن جهاده في فلسطين، وبطولاته التي أرعبت اليهود، وأقضَّت مضاجعهم، وجعلتهم كالفئران المذعورة أمام مجاهدي الإخوان المسلمين، وبخاصة أمثال يوسف طلعت، الذي تميَّز بالجرأة والحنكة والدهاء وهدوء الأعصاب والصبر وطول النَّفَس في مصاولة الأعداء.

لقد تعرَّف على الإمام الشهيد حسن البنا عام 1936م، ومنذ ذلك الوقت ارتبطت حياته برسالة الإسلام الحق، التي يحمل لواءها الإخوان المسلمون، وكان الاهتمام في ذلك الوقت لدى الإخوان بقضية فلسطين، وجهاد الشعب الفلسطيني، وضرورة مؤازرته، والوقوف إلى جانبه، بالدعم المالي وتزويده بالسلاح، وتدريب أفراده، والتعريف بقضيته لجماهير الشعب المصري من خلال الخطب والمحاضرات، والكتب والنشرات والمظاهرات، حتى إن جريدة الأهرام المصرية نشرت يوم 31- 7- 1938م تقول:

{ألَّف جماعة من الإخوان المسلمين في مدينة الإسماعيلية مظاهرة بدأوها من الجامع العباسي إلى دار الإخوان إظهاراً لشعورهم وعطفهم نحو فلسطين، وقد اعتقل البوليس عدداً من المتظاهرين، وبعد أن انتهت نيابة الإسماعيلية من التحقيق معهم، قرَّرت القبض على حسن البنَّـا ويوسف محمد طلعت وآخرين، وحبسهم أربعة أيام على ذمة التحقيق}.

درس يوسف طلعت، وحصل على كفاءة التعليم الأولى، ثم عمل نجاراً، ثم عمل في تجارة المحاصيل الزراعية، حتى تفرَّغ للدعوة، حيث كان له نشاط كبير، مع رفيق الكفاح والجهاد الشيخ محمد فرغلي، فما كانت تحدث حادثة في أسوان أو الإسكندرية أو القاهرة إلا ويُعتقل يوسف طلعت ومحمد فرغلي.

جاب المحافظات كلها، وأنشأ الكثير من الشُعب، ووثَّق الروابط بين الناس، فكان في حركة دائمة، ونشاط مستمر لا يتوقف، مما أثار رجال المخابرات البريطانية الذين كانوا يحكمون البلاد بالفعل، وقد تتبعه رجال المخابرات ورصدوا تحركاته، ولكنه مع ذلك كان يخدعهم، ويُفلت من أيديهم، فقد تصادف مرة أنه كان يحمل كمية من البنادق للمجاهدين في فلسطين، اشتراها من تجار الأسلحة ووضعها في كيسين "جوالين" وسط التبن وحملهما على بعير، وتنكَّر في ثياب ريفية وسار في طريقه، فإذا بمجموعة من الشرطة العسكرية الإنجليزية تحيط به من كل جانب، فسألوه عن وجهته فأجابهم بأنه يقيم بالمنطقة ومعه تبن لماشيته، وصار يُربِّتُ على رقبة البعير، وهو رابط الجأش غير مكترث، فانصرف عنه رجال العدو، وعندها غيَّر يوسف طلعت وجهته ووصل بحمولته للمكان المطلوب.

مبدع موهــوب

وهو مُبْدع مُبْتكر، واسع الحيلة، يُحسن التصرُّف في الأزمات، ويسرع في علاج المشكلات، فقد حدث عام 1948م في فلسطين نقصان في سلاح المجاهدين وذخيرتهم، فما كان منه ومن بعض إخوانه إلا التفكير في تصنيع السلاح والذخيرة، بالاستفادة من الأسلحة التي كانوا يغنمونها من العدو، وقد كان.

إن جهاد الأستاذ يوسف طلعت في فلسطين وبلاءه كان مضرب المثل وحديث العدو والصديق، وهو من أوائل من سارع مع فريق من إخوانـه في الإسماعيلية للجهاد في فلسطين عام 1948م، حيث خرجوا إلى معسكرات النصيرات يحملون زادهم وما معهم من سلاح، وبدأوا في مهاجمة المعسكرات اليهودية، حتى إن اليهود كانوا يفضِّلون الانسحاب على أي معركة يكون الإخوان المسلمون طرفاً فيها.

وقد قاد يوسف طلعت معركة "دير البلح" التي استشهد فيها اثنا عشر من مجاهدي الإخوان المسلمين، وحين عُقدت الهدنة لتسليم الجُثث وحضرها قائد إنجليزي تفقَّد الجُثث، فوقف مذهولاً لأنه لاحظ أن جميع الإخوان مصابون في صدورهم، ودار نقاش عَلِمَ منه القائد الإنجليزي أن من صفات المؤمنين أن يُقبلوا في المعارك ولا يُولّون الأدبار، فقال القائد الإنجليزي: "لو أن عندي ثلاثة آلاف من هؤلاء لفتحت بهم الدنيا".

يقول الأستاذ كامل الشريف في كتابه القيِّم "المقاومة السرية في قناة السويس": "إن من أقوى تشكيلاتنا السرية لمقاومة الإنجليز كانت في منطقة الإسماعيلية التي يرأسها داعية مُحنّك، عظيم الخبرة هو الشيخ محمد فرغلي، كما يساعده مغامر جسور هو يوسف طلعت، وعدد من الشباب المسلم الواعي، وقد سألني يوسف طلعت ظهر يوم ونحن على مائدة الغداء في منزل الشيخ محمد فرغلي: هل ترغب في زيارة أحد الجنرالات الإنجليز في منزله، وتناول الشاي على مائدته العامرة؟

فضحكت لهذه الدعابة، ولكنه أكدَّ لي أنه لا يمزح ولا يقول إلا حقاً، الأمر الذي أدهشني غاية الدهشة، ولكنه فسَّر لي الموضوع قائلاً: إن لديه أخاً مخلصاً يعمل في المعسكرات البريطانية ولا يعرفه أحد حتى الإخوان أنفسهم، وأنه وصل إلى مكانة عظيمة في نفس الجنرال الإنجليزي، مما يساعده على التجوّل في المعسكرات بحرية تامة، وأنه يحمل معه شهادة تمكّنه من دخول منزل الجنرال وكبار الضباط في أي وقت يشاء.

وقال يوسف طلعت ـ غامزاً بعينيه التي تفيض منها الشجاعة والدهاء ـ: ألا ترى أن جولتك تبدو ناقصة مبتورة إذا أنت لم تَقُمْ بنزهة طويلة مع صاحبنا؟

والحق أنني أبديتُ تخوفي من هذه المغامرة، ولكن العرض كان مغرياً إلى درجة يصعب مقاومته، فقمتُ من فوري وقلتُ في حزم: غداً، فقال يوسف طلعت: غداً صباحاً إن شاء الله تعالى.

إن يوسف طلعت جندي بالفطرة، ومحارب بالسليقة، وعصامي بمعنى الكلمة، كان ذا عقلية مُبتكرة خلاقة لا تعجز عن إيجاد حلٍ لأي قضية، أذكر حين كنا في فلسطين أننا غنمنا بعض قنابل المورتر من العدو، ولم نكن نملك المدفع اللازم لها في ذلك الوقت المبكر من الحرب، فوقفنا عاجزين، ولكن يوسف طلعت طلب منا أن نُمهله، فتركناه ونحن لا ندري ماذا ينوي، وبعد أيام قدَّم لنا إسطوانة فولاذية مُثبتَّة على حامل أرضي، ولم تكن لامعة دقيقة الصنع كالمدفع الأصلي، ولكننا استخدمناها في ضرب مراكز اليهود القريبة بقنابل المورتر وأحدثت أثرها الفعال.

ومرة وقفنا عاجزين أمام مشكلة مستعصية هي: كيف نستطيع أن نُلقي المفرقعات على استحكامات اليهود من مكان بعيد؟ فكان يوسف طلعت هو أول من فكَّر في صنع "راجمة ألغام" مبتكرة ساعدتنا كثيراً على قذف ألغامنا دون أن نتعرض للإصابات

 

أما أبرز صفات يوسف طلعت فكانت بلاشك هي "الدعابة"، فهو مرح خفيف الظل مهذب، لا تسمع منه كلمة نابية، ولا تفارقه روح المرح في أحرج المواقف وأشدها خطورة.

كان يوماً على رأس دورية قتال في فلسطين مهمتها القيام بأعمال القنص ضد الحرس اليهودي في إحدى المستعمرات القريبة، وقد أخذ يتسلل بجماعته في الصباح الباكر من حفرة إلى حفرة إلى شجرة، حتى أصبحوا في مكان قريب جداً من مباني المستعمرة، بحيث كانوا يرون مَنْ في داخل البيوت من اليهود.

وحينما نظر الإخوان إلى برج الحراسة وجدوا جندياً يهودياً وفتاة من المجندات في موقف عاطفي، وجاءت النكتة المرحة على لسان يوسف طلعت، ولم يستطع كتمانها في هذا الموقف الخطر، فهمس في أذن إخوانه: أتدرون لماذا يقف اليهودي واليهودية في هذا الموقف؟ فسكت الإخوان، واستمر وهو يقول: إنهم يعرفون جيداً أننا من الإخوان المسلمين وأننا موجودن هنا لنتجسس عليهم ونرصد مواقعهم، فأرادوا أن يمنعونا من النظر إلى مستعمراتهم، لأن اليهود يعلمون أن الله أمرنا أن نُشيح بأبصارنا عند رؤية المنكر كما جاء في قوله تعالى: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، ثم قال يوسف طلعت: نحن الآن أكثر من أربعة شهود، ونستطيع أن نقيم الحد عليهم، ثم أمر قناصته بإطلاق النار على رأس البرج، فوقع الفتى والفتاة على الأرض، وحينما كان الرصاص ينهمر على رأس يوسف طلعت وإخوانه كان لايزال مستغرقاً في ضحكة عالية قبل أن يلوز مع إخوانه ببطن الــوادي..." انتهى.

أمـام المحكمـــة

إن هذه الروح المرحة لم تفارق الأستاذ يوسف طلعت حتى يوم كان ماثلاً أمام المحاكمة الهزلية، التي عقدتها الحكومة العسكرية له لتحكم عليه بالإعدام، فحين قال له جمال سالم ـ رئيس المحكمة ـ: هل تعرف تقرأ الفاتحة بالمقلوب؟ قال يوسف طلعت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأشار بيده إلى جمال سالم رئيس المحكمة عند قوله "الشيطان الرجيم"، ثم قرأ الفاتحة على الوجه الصحيح، فَكُبِتَ الرئيس.

وحين سأله: إنت بتشتغل إيه؟ أجاب: نجار، فقال الرئيس: كيف تكون رئيس جهاز فيه أساتذة الجامعة وأنت نجار؟ فأجاب: لقد كان سيدنا نوح عليه السلام نجاراً وهو نبي، فكُبِتَ مرة أخرى وسكت، وحين سأله: لماذا لا تستطيع الوقوف؟ قال له يوسف: اسأل نفسك.

كان الأستاذ يوسف طلعت قد تعرَّض لتعذيب شديد القساوة والوحشية، حيث كسروا عموده الفقري وذراعه وجمجمته ولم يبق مكان في جسمه إلا وأصيب بكسر أو جرح أو رضّ، حتى إن الأستاذ المرشد حسن الهضيبي حين حاكمه جمال سالم تحدث الهضيبي عن التعذيب الذي أصاب الإخوان، ونفى جمال سالم، فردَّ عليه الأستاذ الهضيبي: اكشفوا على يوسف طلعت لتروا مقدار التعذيب الذي أصيب به وغيره من الإخوان في سجونكم.

يقول الكاتب اليساري أحمد حمروش في كتابه "قصة ثورة 23 يوليو" (الجزء الأول ص 187): "في مارس 1952 ـ أي قبل قيام الحركة بأربعة أشهر ـ كانت منشورات الضباط الأحرار، تطبع بمعرفة خالد محيي الدين، الذي كلّفه عبدالناصر، بعدم استخدام عبارة "الاستعمار الأنجلو أمريكي" والاكتفاء بذكر الاستعمار البريطاني، وذلك للتأييد الذي لمسه عبدالناصر من المسؤولين الأمريكيين في المنطقة، حيث وعدوه بالمعاونة باشتراط إبعاد الإخوان المسلمين والشيوعيين عن المشاركة في الانقلاب" انتهى.

إن الحديث عن يوسف طلعت وشخصيته وبطولاته يحتاج إلى كتب وليس إلى مقالات، فهو نموذج فريد من البطولة، قلَّ أن يجود الزمان بمثله، ومن عرفه عن قرب يعرف عنه الكثير، مما يُشرِّف هذه الدعوة المباركة التي أسسها الإمام الشهيد حسن البنا، وتخرَّجت في مدرستها هذه النماذج الفذّة من الرجال الذين صدقوا مع الله في عهدهم وبيعتهم أرواحهم لله وفي سبيل الله.

إن الذي قاد قافلة الإمدادات للجيش المحاصر في "الفالوجة"، والذي اخترق خطوط اليهود بكل جرأة وشجاعة هو يوسف طلعت وإخوانه، وكان جمال عبدالناصر وجماعته من المحاصرين في الفالوجا.

لقد اعتقل يوسف طلعت وإخوانه وهم في ميدان الجهاد في فلسطين، وأقيم لهم معسكر اعتقال بإشراف الجيش المصري، ثم نُقلوا إلى معتقل الطور بمصر، وحين خرج من المعتقل لم يهدأ بل ظل يهاجم الإنجليز في المعسكرات بقناة السويس مع أخيه محمد فرغلي والإخــوان المجاهـــدين، حتى إن الإنجلــــيز وضعوا جائزة قيِّمة لمن يعثر عليه أو على أخيه الشيخ فرغلي حياً أو ميتاً، فما كان منه إلا أن خرج أمامهم متنكراً في هيئة شيخ كبير السن يحمل طفلاً رضيعاً، فلم يتعرضوا له لما يتمتع به من هدوء الأعصاب، والقدرة على تجاوز الصعاب دون أدنى خوف أو وجل.

تأزَّم الموقف بين الإخوان والحكومة العسكرية في يناير، وتتابعت الأزمات، واشتدت في أكتوبر عام 1954م بعد افتعال حادث المنشية الذي دبَّره عبدالناصر بتخطيط المخابرات الأمريكية واقتراحها للتخلص من الإخوان، كما ذكر ذلك حسن التهامي في مذكراته، وهو من أعوان عبدالناصر ومسؤولي المخابرات عنده، وسمع يوسف طلعت بالحادث من إخوانه فقال على الفور: "عملها عبدالناصر"، لأنه لو كان للإخوان صلة بالحادث، لكان يوسف طلعت أوَّل من يعرف به، باعتباره رئيس النظام الخاص في الجماعة.

وابتدأت موجة الاعتقالات للإخوان بالألوف، وزُجَّ بالكبار والصغار والنساء والأطفال، وكان حرص أجهزة عبدالناصر القبض على يوسف طلعت، الذي يحرص على الذهاب للمساجد للصلوات حتى صلاة الجمعة دون اكتراث، وحين ألقي القبض عليه ناله من التعذيب من زبانية عبدالناصر، ما لا يصبر عليه إلا أصحاب العزائم من الرجال المؤمنين الذين كانت تتقطع السياط على جلودهم، وتُكسَّر عظامهم، وتُشجّ رؤوسهم، وتُحرَّق أجسادهم، وتُنفخ بطونهم، ومنهم من يسقط من الإعياء، ومنهم من يلقى الله شهيداً تحت سياط التعذيب، وكان من هؤلاء يوسف طلعت.

يــوم حزين..

وفي يوم حزين من أيام ديسمبر 1954م دخلت مدينة الإسماعيلية مصفحتان تحملان جثماني الشهيدين: محمد فرغلي، ويوسف طلعت، بعد تنفيذ الإعدام فيهما شنقاً، وقد منعت أجهزة السلطة العسكرية الناس من السير في جنازتهما، فأقفلتْ مدينة الإسماعيلية أبوابها ونوافذها، وخيّم عليها الحزن، ووضعت نقطة حراسة ثابتة لمدة ستة أشهر لمنع الاقتراب من قبريهما.

وهكذا قطف اليهود والإنجلوأمريكان ثمرة مساعداتهم التي قدموها لصنيعتهم عبدالناصر بحصد رؤوس الدعاة إلى الله، والمجاهدين في سبيله من أبطال فلسطين والقنال، ولكن هل نفع ذلك؟ لقد أخزى الله جمال عبدالناصر وأعوانه في الدنيا، وسيلقى من الله ما يستحق في الآخرة.

أما ركبُ الدعوة الإسلامية في أرض الكنانة والعالم العربي والإسلامي فهو في صعود والحمد لله، والدعوة باقية والأفراد زائلون، وكلما مات سيِّد قام سيِّد.

نسأل الله أن يتقبل الشهيد البطل الجسور يوسف طلعت، وأن يدخله فسيح جنته مع النبيين والصديقين والشهداء، وحَسُنَ أولئك رفيقاً