Make your own free website on Tripod.com

   الشاهد للدراسات السياسية والاستراتيجية        

   
     

تحت عباءة الإرهاب .. كل شئ مباح !!

بقلم: موسى راغب

قبل حوالي السنة أنذر الرئيس الأمريكي بوش صدام حسين بأن عليه أن يعيد المفتشين إلى العراق وإلاّ ... ، وقد فُهم آنذاك أن العراق سيأمن توجيه ضربة عسكرية أمريكية إذا ما قبل بعودة فريق التفتيش الدولي لأراضيه.

وقبل شهور أوحى الأمريكيون لبعض الزعماء والمسئولين العرب بأنه ليس في نية أمريكا توجيه ضربـة للعراق ، لدرجة دفعت بوزير الخارجية المصري أحمد ماهر إلى القول آنذاك بأن لديـه شعور بأن الولايات المتحدة لا تنوي مهاجمـة العراق ، كما دفعت بالملك عبد الله ملك الأردن إلى القـول بأن الرئيس الأمريكي أخبره بأن الإدارة الأمريكية لا تنوي القيام بعمل عسكري ضد بغداد ، الأمر الذي نفـاه بوش في وقت لاحق .

غير أن ما آلت إليه الحملة العسكرية التي شنتها أمريكا على أفغانستان من غموض حول مدى ما حققته من نجاح في القضاء على حركة طالبان وتنظيم القاعدة تحت دعوى محاربة الإرهاب ، يبدو أنه دفع بالإدارة الأمريكية لأن تسرّع في الكشف عن مخططاتها الحقيقية نحو العراق والمنطقة قبل الأوان ، حيث أخذت تعد العدة لمهاجمة العراق سعياً لتغطية ما يراه بعض المراقبين فشلاً في تحقيق أهداف حملتها العسكرية على أفغانستان وراح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين دون أن يصاب قادة طالبان وتنظيم القاعدة بمكروه يذكر من ناحية ، وباعتبار العراق من الدول العربية والإسلامية غير الطيعة التي ترى أمريكا أن لديها من المبررات ما يمكنها من توجيه ضربة قاضية تتيح لها السيطرة على ثرواته النفطية من ناحية أخرى .

ويبدو أن قرار ضرب العراق هذا كان مبيتاً كبديل لسياسة الاحتواء التي تبنتها الإدارة السابقة في عهد الرئيس بل كلينتون . فما أن وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر حتى اتخذت منها الإدارة الجمهورية ذريعة لتنفيذ المخططات الأمريكية "سابقة التجهيز" في شن حرب صليبية ثانية لا هوادة فيها على الدول العربية والإسلامية ، قد تمتد لعشر سنوات قادمة أو يزيد ، تحت دعوى محاربة الإرهاب والحفاظ على الأمن القومي الأمريكي .

والقول بأنها حرب صليبية ثانية ليس فيه تجاوزاً للحقيقة . فكما اتخذت الحروب الصليبية الأولى الدين غطاء لأطماع ملوك الغرب ونبلائه في السيطرة على ثروات الشرق ، نرى أمريكا تشن حربها الضروس على العرب والإسلام والمسلمين تحت دعوى محاربة الإرهاب ، وتخليص المجتمعات الإسلامية من الظلم والفساد والنظم الدكتاتورية التي أجهضت– كما تدعي – كل أمل في توفير الأمن والأمان والحياة الكريمـة للإنسان فيها ، في حين أن هدفها الأساس هو الهيمنة على هذه المجتمعات والسيطرة على ثرواتها وبخاصة البترولية منها ، وجعلها أداة طيعة في يدها لا تعصي لها أمراً ولا تخالف رأياً .

وليس من شك أن أمريكا التي اعتادت أن تكيل بمكيالين في تناولها للقضايا التي تواجه العالم تحت عباءة الشعارات البراقة التي ترفعها حول حقوق الإنسان والديمقراطية وتحرير المرأة ومحاربة الإرهاب .. تعلم جيداً أن الغالبية العظمى من احتياط البترول في العالمي موجود في الدول العربية والإسلامية بدئاً ببلدان الخليج العربي وانتهاء بالجمهوريات الإسلامية المطلة على بحر قزوين .

وتعلم أيضاً أنه إذا ما استقر لها الأمر في هذه البلدان وتحققت لها السيطرة على منابع النفط فيها ، فسوف تكون قادرة على التحكم في الاقتصاد العالمي وتوجيهه بما يتفق ومصالحها في الهيمنة على العالم ، الأمر الذي عناه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب بوضوح حين قال : إن القرن الحادي والعشرين هو قرن أمريكا الذي سوف يشهد سيادتها على العالم دون منازع .

مظاهرات تندد بخطط الحرب الامريكية ضد العراق

كذلك تعلم أمريكا أن سيطرة الدول العربية والإسلامية على بترولها ، يعني قيام قوة دوليـة لها من المقومات الاقتصادية والسياسية والدينيـة ما يمكنها من الوقوف أمام تحقيق المخططات الأمريكية في المنطقة ، ووأد طموحاتها في قيادة العالم والتحكم باقتصادياته .

والواقع أن الحملة العسكرية الظالمة التي شنتها أمريكا على أفغانستان لم تكن البداية الأولى في تنفيذ مخططاتها في المنطقة . فأغلب الظن أن البداية جاءت مع دعم أمريكا للأفغان العرب الذين قاتلوا مع إخوانهم الأفغان قوات الغزو السوفييتي لأفغانستان ، ثم تحلّلها من الوعود التي قطعتها على نفسها لأهل أفغانستان إذا ما تمكنوا من طرد السوفييت من أراضيهم . بل إن الأمريكيين كانوا وراء إشعال الدسائس والفتن بين فصائل المجاهدين الأفغان ، ما أدخل البلاد في حروب وصراعات مدمرة أتت على الأخضر واليابس ، وجعلت من الشعب الأفغاني جموعاً من الفصائل المتصارعة وقوافل من اللاّجئين والمشردين .

وكان من الطبيعي أن يوغر هذا السلوك الشائن من حليف الأمس ونكثه بعهوده صدور الأفغان وأنصارهم من العرب الذين قاتلوا معهم ضد الغزو السوفييتي ، ثم كان ما كان من أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، وما سبقها من عمليات طالت المصالح الأمريكية في عدد من بلدان العالم .

ثم جاءت حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران أقوى قوتين في منطقة الخليج ، واللتين كانت أمريكا ترى فيهما خطراً داهماً على مصالحها في المنطقة . فليس من المشكوك فيه أبداً أنها كانت ضالعة في إشعال نار تلك الحرب الضروس التي استمرت ثمانية أعوام بين العراق وإيران .. خسرا فيها مئات المليارات من الدولارات ، وقتل مئات الآلاف من أبنائهما ، وتعطلت برامج التنمية فيهما لعشرات السنين . بل إن أمريكا ذهبت في إشعال جذوة تلك الحرب والعمل على استمرارها إلى الدرجة التي راحت تزود كلا الطرفين بمعلومات من شأنها تعظيم حدة الكوارث التي تصيب اقتصادهما وبنيتهما التحتية وقدراتهما العسكرية بأفدح الخسائر وأشد الأضرار .

وحين انتهت تلك الحرب ، بدأت أمريكا تلعب لعبتها المعتادة في إشعال نار الفتنة بين العراق ودول الخليج العربية ، حيث استثمرت قضية الحدود بين العراق والكويت لتوغر صدر الأخيرة على العراق الذي لم يحقق لها ما كانت تنتظره من رسم للحدود بينهما ، في الوقت الذي كانت أمريكا توحي فيه للعراق بأنها لا تمانع في قيامه بعمل عسكري ضد الكويت التي اتهمها آنذاك بسحب النفط العراقي من الحقول الملاصقة لحدودها الشمالية مع العراق ، حتى لو وصل الأمر إلى حد اجتياحه للكويت واحتلاله والسيطرة على منابع النفط فيه .

وهكذا وقعت الحرب الخليجية الثانية التي وجدت فيها أمريكا فرصة سانحة للقضاء على العراق كقوة عسكرية واقتصادية عربية ، يمكن على المدى المتوسط أن تشكل خطراً حقيقياً على النفوذ الأمريكي في المنطقة وتهدد منابع النفط فيها . وانتهت تلك الحرب بالشروط المهينة التي قبل بها العراق دون قيد وشرط ، والتي نصت على نزع ما لدية من أسلحة الدمار الشامل وتدمير المنشآت والتجهيزات التي كان يعدها لإنتاج تلك الأسلحة بما فيها السلاح النووي ، فضلاً عن فرض الحصار الاقتصادي على العراق والإشراف على مشترياته من عائدات النفط الذي سمح له بإنتاجه بموجب القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن .

وكان من نتيجة تلك الحرب أيضاً أن أوجدت أمريكا لنفسها المبرر الكافي لاستمرار تواجدها العسكري في منطقة الخليج بدعوى حماية دوله من التهديدات العراقية ، وبخاصة أن مصدر التهديد المتمثل في استمرار وجود الرئيس صدام حسين على رأس السلطة في بغداد ما زال قائما ، فضلاً عن استنزاف الأموال الطائلة من دول المنطقة بحجة أن الحرب التي قامت أمريكا بشنها على العراق إنما كانت لحمايتها ودرء الأخطار عنها .

وفي هذه الأثناء شهد العالم أخطر تحول مر به المجتمع الدولي في هذه الحقبة من تاريخه ، ونعني به انهيار الاتحاد السوفييتي وزوال النظام ثنائي القـطب الذي كان وجودة سبباً في إحداث نوع من التوازن في العلاقات الدوليـة كان من شأنه منع تفرد أحد القطبين بمصير العالم ، كما نراه اليوم في ظل النظام أحادي القطب الذي تتزعمه أمريكا .

وقد صاحب هذا التحول توجه أمريكي متسارع نحو استغلال الوضع في البلدان المطلة على بحر قزوين ومحاولة السيطرة على المخزون الهائل من النفط الذي يقبع في قاعه ، الأمر الذي دفعها لوضع خطط تستهدف تحقيق أمرين رئيسين :

توني بلير رئيس الوزراء البريطاني

الأول : الهيمنة الكاملة على أفغانستان باعتبارها موقعاً استراتيجياً متميزاً يحقق لها الإطلال المباشر على دول آسيا الوسطى وجنوب آسيا والصين ، فضلاً عن تواصلها الجغرافي مع إيران ومنطقة الخليج . وقد تطلب تحقيق هذا الأمر إشعال حرب على أفغانستان بهدف القضاء على حركة طالبان وتنظيم القاعدة ، والمجيء بنظام بديل يأتمر بأمرها ويخضع لسيطرتها ويحقق لها الظروف المواتية للانطلاق نحو تحقيق أهدافها في دول آسيا الوسطى وبحر قزوين . وهذا ما حدث بالفعل عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م بدعوى محاربة الإرهاب .

وثانيهما : تحقيق الهيمنة الأمريكية الكاملـة على منابع النفط في منطقـة الخليج العربي ، حيث انتهجت أمريكا في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون سياسة الاستحواذ تجاه إيران والعراق اللذين كانا دوماً من الأنظمة غير الطيعة للسياسة الأمريكية في المنطقة .

لكن هذه السياسة سرعان ما تبدلت حين تولى جورج بوش الابن رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية ، حيث قام في مستهل حكمه توجيه ضربة عسكرية للعراق مذكراً بأن العداء المستحكم بين أمريكا والنظام الحاكم في بغداد ما زال قائماً ، ومنتهياً بتصنيف العراق وإيران ضمن دول محور الشر التي يجب التخلص من الأنظمة الحاكمة فيها .

والواقع أن أحداث سبتمبر جاءت لتقلب قواعد اللعبة التي انتهجتها أمريكا في المنطقة بأكملها . فالمخططات التي وضعها الاستراتيجيون في الإدارات الأمريكية المتعاقبة للسيطرة على منابع النفط في منطقـة الخليج لم تعد تحتمل الانتظار ، وأصبحت لدى إدارة بوش قناعة كافية بأن أي تأخير في تنفيذها ، قد يؤدي لظهور معوقات يصعب على المدى المتوسط – إن لم يكن في المستقبل المنظور – تجاوزهـا أو التغلب عليها .

زد على ذلك أن الجرح الغائر الذي أصاب هيبة الولايات المتحدة الأمريكيـة وكرامتها في الصميم نتيجـة أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، دفع بالمسئولين في البيت الأبيض والبنتاجون للكشف صراحة عن مخططاتهم المبيتة إزاء المنطقة وبخاصة تجاه العراق ، بعد أن قاموا بهجومهم الظالم على الشعب الأفغاني في حرب لم تستهدف غير إشباع شهـوة الانتقام لديهم ولدى الشعب الأمريكي لما أوقعته أحداث سبتمبر من ضحايا .

ويتعلل بوش في تنفيذ خططه حيال العراق بأنها دولة راعية للإرهاب ، وإنها تسعى لامتلاك وتطوير أسلحة الدمار الشامل ، الأمر الذي يمثل بالنسبة لأمريكا- في نظره – خطراً داهماً على أمنها القومي ، مما يستوجب منها القيام بعمل عسكري يقضي على النظام الحاكم في بغداد والتخلص نهائياً من رئيسه صدام حسين . وهذا ما أكدته جميع التصريحات والأقوال التي درج المسئولون في الإدارة الأمريكية على إلقائها في كل مناسبة وما زالوا .

والواقع أن مضمون تلك التصريحات لم يستهدف العراق فحسب ، وإنما يشمل المنطقة العربية بأكملها إضافةً لإيران ودولاً إسلامية أخرى . ولعل من أبرز تلك التصريحات ، ما ألقت به مستشارة الأمن القومي الأمريكي كونداليزا رايس مؤخراً ، والذي قالت فيه : إن غزو أمريكا للعراق يمثل البدايـة العملية لتحرير العالم الإسلامي من الأنظمـة الدكتاتورية السائدة فيها . فهذا التصريح يفضح تماماً المخططات الأمريكية التي تبيتها الإدارة الجمهورية نحو بلدان المنطقـة صديقة كانت أو معادية ، والتي أقل ما يقال فيها أنها تستهدف نسف النظم السياسية القائمـة في المنطقـة من أساسها وخلق أنظمة طيعـة بديلة تمكنها من وضع خريطـة جديدة تحقق لأمريكا وشريكتها إسرائيل أهدافهما في الهيمنة على المنطقة ، والسيطرة على مقدراتها وثرواتها الطبيعية وبخاصة النفطية منها .

وكان وزير الخارجيـة الأمريكي كولن باول قد ألقى في وقت سابق بتصريح في هذا الاتجاه ، حيث قال : إن الرئيس بوش في سبيله لإطلاق برنامج يستهدف الترويج لنشر الديمقراطية في منطقـة الشرق الأوسط في أكتوبر الجاري ، الأمر الذي يؤكد أن الإدارة الأمريكية بإقدامهـا على ضرب للعراق ومحاولتها إسقاط النظام في بغداد ، إنما تخطو الخطـوة الأولى نحو تنفيذ مخططاتها في الهيمنـة على دول المنطقـة بالكامل من ناحية ، كما تظهر تصميماً لا رجعة فيه على استخدام القوة العسكرية بكافة أشكالها لتنفيذ تلك المخططات من ناحية أخرى .

كذلك فإن تصريحات وزير الدفاع الأمريكي حول ضرورة الإسراع في توجيه ضربة للعراق بهدف إسقاط النظام فيه والتخلص من الرئيس صدام حسين ، إضافة لتصريحات الرئيس بوش ونائبه ديج شيني ومستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس المتعصبة في هذا الصدد .. هذه التصريحات تكشف إلى أي مدى أصبحت أمريكا مصممةً على تنفيذ مخططاتها لاحتواء المنطقة والهيمنة على دولها الطيعة وغير الطيعة ، وفي هذا الوقت بالذات الذي بلغ فيه الضعف العربي مداه ، وفي الوقت الذي أصبح فيه المجتمع الدولي غير قادر على كبح جماح الثور الأمريكي الهائج ، الذي لم يعد يرى ويسمع غير ما يريده هو وليس ما يراه الآخرون ، حتى لو كانوا على حق فيما يرون .

والواقع أن الغطرسة التي تعيشها إدارة بوش في هذه الحقبة الحرجة من تاريخ الإنسانية قد بلغت حدا لا يمكن تبريره منطقياً ، حيث تريد من المجتمع الدولي أن يوفر لها الغطاء الشرعي لغزو العراق وتحقيق أهدافها في السيطرة– ليس فقط على بغداد ومنطقـة الخليج – وإنما على المجتمع الدولي ذاته . وهذا ما حـدا بالعديد من القوى العالمية الفاعلـة مثل ألمانيا وروسيا والصين وفرنسا للتصدي لمحاولاتها في استصدار قرار متعسف من مجلس الأمن ، يتيح لها القيام بتوجيه ضربـة للعراق تحت غطاء من الشرعيـة الدولية .

فهذه القوى تدرك تماماً أن حل المسألة العراقية– من وجهة النظر الأمريكيـة– لا يكمن في إقصاء صدام حسين عن الحكم والتخلص من أعوان النظام في بغداد ، وتجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل التي تشير كل التقارير المحايدة بعدم وجودها أصلاً ، وإنما يكمن في رغبة أمريكا في تفكيك العراق إلى أجزاء يسهل التعامل معها باتجاه التخلص من كل المقومات المادية والاقتصادية والسياسية والمعنوية التي تتيح له استعادة توازنه وإعادة بنائه من ناحية ، وفي تحقيق سيطرتها وحدها على منابع النفط فيه من ناحية أخرى ، ثم وهذا هو الأهم السير قدماً نحو تنفيذ مخططها في إخضاع دول المنطقة لهيمنتها والسيطرة على نفطها من ناحية ثالثة .

والأخطر من ذلك أن هذه الغطرسة الأمريكية ، يبدو أنها لا تأخذ في الحسبان أبداً ردود الفعل المتوقعة والمدمرة لدى شعوب المنطقة ، التي أثبتت عبر تاريخها القديم والحديث أن ما لديها من المقومات الثقافية والحضارية والروحية ، ما يمكنها من إيقاف الغزاة عند حدهم ، وأمريكا – بطبيعة الحال ليست – استثناء من ذلك ، وهي التي لم تترك فرصة إلاً وأظهرت فيها عداءها لهذه الأمة واستهتارها بها وبقيمها وتراثها .

زد على ذلك أن سياسة الكيل بمكيالين التي مارستها أمريكا في التعامل مع القضيـة الفلسطينيـة وما زالت ، لم تدع مجالاً للشك في أنها لن تكون حكما أو شريكاً عادلاً ، طالما اعتبرت حق المقاومة الذي يمارسه الفلسطينيون ضد الاحتلال الإسرائيلي إرهاباً .

والواقع أن السياسة الأمريكية نحو العرب والإسلام والمسلمين تقوم على أساس فرضية واحدة تضعها الاستراتيجية الأمريكية للهيمنة على العالم مؤداها : " إن السيطرة على العالم العربي والإسلامي ضرورة حتمية لتحقيق الهيمنة على العالم والتحكم في اقتصادياته بما يتفق ومصلحة أمريكا ويضمن لها تفوقها " . والهيمنة التي يريدها الأمريكيون على العالم تعتمد في تحقيقها على مقومات ثلاثة :

دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الامريكي

أولها – التفوق الاقتصادي الذي لا يتحقق إلا بالسيطرة على منابع البترول في جميع أنحاء العالم ، ما يعني أن غزو العراق يمثل الخطوة الأولى على هذا الطريق ، وبخاصة أن احتياطي النفط لديه يزيد بحوالي 25% عن احتياطي النفط السعودي ، كما يشكل مع نفط المنطقـة ما يعادل 60% من احتياط النفط العالمي . فإذا أضفنا لذلك المخططات الأمريكيـة الرامية للهيمنـة على البترول القابع في قاع بحر قزوين ، فإن هدف أمريكا في السيطرة على معظم منابـع البترول في العالم يكون قد تحقـق بالكامل ، الأمر الذي سوف يمكنهـا من التحكم في اقتصاد العالم وتوجيهه بما يتفق ومصالحها الاقتصادية .

ثانياً – إن الصناعات الحربيـة الأمريكيـة التي تعتبر من المقومـات الأساسية في الاقتصاد الأمريكي ، يفترض – في نظر المخططين الاستراتيجيين – أن تجد في الحروب التي يُقدر أن تشنهـا أمريكا على الدول العربيـة والإسلاميـة خلال العشر سنوات القادمة التي حددها بوش للقضاء على الإرهاب .. طريقاً سهلاً لاطراد نموها وتقدمها ، الأمر الذي سوف يدعم الاقتصاد الأمريكي ويمـده بالمزيد من مقومات النمو والاستمرار .

ثالثا – إن سيطرة أمريكا على نفط العالم وما يتبعها من تحكم في الاقتصاد العالمي ، سوف يتيح لها استثمار العولمة بكل جوانبها وبخاصة عولمة التجارة الحرة على النحو الذي يحقق لها أقصى درجات المنفعة والتفوق على جميع بلدان العالم .

والسؤال المركب الذي يطرح نفسه بإلحاح : هل يستسلم المجتمع الدولي للطموحات الأمريكية في الهيمنة على العالم ؟ ، وهل المعارضة التي تواجهها أمريكا من دول فاعلة كألمانيا وفرنسا وروسيا والصين حيال عزمها على غزو العراق .. قادرة على ردع الإدارة الأمريكية عن الاستمرار في تنفيذ سياساتها التعسفية نحو بغداد والبلدان العربية والإسلامية ، ومنع محاولات الاستيلاء على بترولها تحت دعوى محاربة الإرهاب ؟ ،

وهل هذه المعارضة وكذلك المظاهرات الصاخبة التي أخذت تجوب عواصم الدول الغربية والآسيوية على نحو غير مسبوق ، احتجاجاً على ضرب العراق واستهجاناً للممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة .. نابعة عن إدراك تام بحقيقة الأهداف والطموحات الأمريكية الغائية في السيطرة على العالم ؟ .

والواقع أنه ليس من الصعب على المحلل السياسي سواء كان عربيا أو أجنبيا أن يخلص إلى حقيقة مؤداها : إن أمريكا مصممة على عمل كل شيء من أجل السيطرة على النفط في منطقة الخليج بما في ذلك نفط العراق اليوم ونفط إيران غداً ، حتى لو اقتضى الأمر منها استخدام أسلحة الدمار الشامل .

صحيح أن المعارضة العالمية لتوجهات السياسة الأمريكية نحو العراق وغيرها من البلدان العربية والإسلامية المستهدفة للحرب التي تشنها أمريكا على الإرهاب .. بلغت شأواً كبيراً لم يحدث من قبل ، لدرجة أن الزعيم الإفريقي المعروف نيلسون مانديلا وصف السياسة التي ينتهجها بوش في التعامل مع قضايا الشرق الأوسط والمسألة العراقية بأنها تشيع الفوضى السياسية في العالم وتقضي على الأمم المتحدة ، كما أن وزيرة العدل الألمانية ذهبت في انتقاد بوش إلى حد القول بأن السياسات التي يتبعها في التعامل مع القضايا العالمية تشبه إلى حد كبير تلك التي كان يتبعها الزعيم النازي أدولف هتلر ،،،

غير أن ما هو صحيح أيضاً ، أن معظم الشواهد تدل على أن هذه المعارضة لن تصل إلى حد المواجهة مع أمريكا ، وبخاصة أن الإدارة الأمريكية أعلنت أكثر من مرة أنها سوف تبادر بضرب العراق ، وحتى غزوه بمفردها ، إذا لم يعمل مجلس الأمن الدولي على تجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل التي تدعي أمريكا وجودها بحوزته ، وإذا لم تنفذ بغداد الشروط التعجيزية التي وضعتها الإدارة الأمريكية للتخلص مما تسميه بأسلحة الدمار الشامل ، كما أنها لم تخف لحظة واحدة بأن عودة المفتشين لمزاولة عملهم في العراق لن تكون بديلاً عن هدفها المعلن في الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين وتفكيك نظامه وتدمير القوى التي تدعمه .. وهي تعني بذلك– بطبيعة الحال –تدمير قوات الحرس الجمهوري التي تعتبر العمود الفقري للقوات العراقية المسلحة .

لذلك فقد بات من اليقين أن المعارضة التي تبديها تلك القوى العالمية للتوجهات الأمريكية في المنطقة ، لن تصل إلى حد المواجهة معها تحت أي ظرف من الظروف حتى لو طال مصالحها بعض من الخسائر والأضرار .

أما على الصعيد العربي ، فيبدو أن لا فائدة ترجى من الأنظمة العربية التي فقدت قدرتها حتى على ممارسة حقها في الاعتراض ، إلاّ القليل القليل منها .

تبقى ورقة الشعوب العربية التي يشك في أن تتاح لها الفرصة للتعبير عن كامن غضبها نحو ما يُرتكب بحقها من جور وظلم ، ناهيك عن المعوقات الذاتية التي قد تحول دون محاولـة استخدامها لحق المقاومـة البدائية المشروعة للغزو الأمريكي لأوطانها ، إذا ما أرادت تفعيل ذلك الحق .

ولكن .. وكما يقال : لكل قاعدة استثناء ، والاستثناء الذي نتمناه : أن الضغط الذي تمارسه قوى الشر والطغيان على الأمة العربية والإسلامية قد يولد انفجاراً يقلب الطاولة على من حولها ، وساعتها فقط نقول للظالمين : هذا جزاء ما اقترفت أيديكم .

 

 

الصفحة الرئيسية